شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 18 اعسطس 2019م12:18 بتوقيت القدس

المناهج وهدر الموارد البشرية

14 يوليو 2019 - 09:11

على مدار خمسة وعشرين عاماً مضت على تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، واصل المجتمع المدني جهوده في متابعة التغييرات على المناهج الدراسية وكشف الغطاء عن إشكالاتها؛ بهدف الضغط على المعنيين في مراكز صنع القرار من أجل إصلاحها.
بداية، كان العمل جارياً على وضع الملاحظات على الصور النمطية، خاصة للمرأة، وأثرها على تكريس الأدوار التقليدية للرجال والنساء. ومن ثم أنجز عديد الدراسات والأبحاث التي تستند إلى التمييز على أساس النوع الاجتماعي وأثره على الفرص المتساوية بين الجنسين بسبب التمييز على أساس النوع. إلّا أن الجهود المبذولة لم تُكَلل جهودها بالنجاح رغم جديّتها وعلميّتها وتواؤمها مع رؤية الدولة الفلسطينية.
الدراسة الأخيرة تحت عنوان «المناهج المدرسية بين استثمار الرأسمال البشري وهدره»، للباحث «مهند عبد الحميد»، بالتعاون مع مؤسسة «روزا لوكسمبرغ»، قدمت الجديد النوعي، حين قدمت نتائج فحص 54 كتاباً مدرسياً تتعلق بخمسة مباحث، من الأول للثاني عشر(الدين والعربي والتربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا)، تكشف بجرأة علمية عن إشكالات تتعلق بما تنطوي عليها المناهج من عوامل السيطرة والهيمنة الكامنة ودورها في كبح الجدل الخلّاق؛ كونها توصل الطالب إلى التسليم بالحتميات المطلقة، فماذا لو وقفنا أمام عناصر وأطراف العملية التعليمية، المعلم والأدوات!
الدراسة لا تنفي عن المناهج إيجابياتها العديدة، على صعيد نقل القِيَم المعرفية والثقافية الجميلة، ولا تختلف مع رؤية الوزارة لأهداف العملية التعليمية بما هي إكساب المهارات وعتق العقل وتحريره من القيود ومبادئ حرية إبداء الرأي في جميع المواقف، وتطوير قدرة الطلبة على حلّ المشكلات والاستنتاج والتحليل.. ويُسَجَّل لها اعتمادها الرواية الوطنية وعدم الخضوع لابتزاز الاحتلال الإسرائيلي وممارسته الترهيب الفكري والتحريض على المناهج، وتبرير اجتياحه المدارس ونبْش أمعاء أجهزة «الكمبيوتر» ومصادرتها؛ بحثاً عن وهْم لُغز استمرار الطلبة في المقاومة وقذفهم جيشه بالحجارة كلما مرّ من أمامهم.. كل ذلك محسوبٌ ومقيّم إيجابياً في الدراسة. 
لكن المشكلة كما ترى الدراسة، تكمن في عدم تطبيق القيم والمبادئ الرؤيوية الديمقراطية المتبناة نصاً والمستبعدة عملياً، لتطرح سؤالها الجوهري حول أسباب استمرار الانتماء للمدرسة الدينية المتزمتة وأفكار «ابن تيمية والوهابيين» المعروفة بالتطرف والتعصب وخطابها المبرمج! والذي إذا ما أطلقنا تأثيرات عناصر خطابهم على استقامتها، سنجد كيف يتم إغلاق الدائرة ضد منهج الإصلاح في المناهج وعلى صعيد منظومة القوانين التمييزية «الأحوال الشخصية والعقوبات»، لتتضح الصورة العامة التي تعد خافية أو يصعب فهمها. عناصر المدرسة المتزمتة تقوم على تكفير وتخوين كل من ينبري لها بالانتقاد، أو يجتهد ويقدم تفسيراً آخر يتناسب مع الواقع المعاش، سيكون نصيبه التهم الجاهزة بارتكاب الكبائر ويقام عليه الحدّ.
من أجل توضيح المشكلة، أقتبس من الدراسة بعض النماذج التي تصنع التناقض بين المناهج والمرجعيات المحلية بما هي، القانون الأساسي ووثيقة الاستقلال التي وضعها النظام السياسي، بينما يقول المؤلفون في منهاج التربية الإسلامية الخاص بالصف التاسع: إن التشريع ليس للإنسان؛ لأنه عاجز عن إدراك ما يصلحه أو يفسده ولأنه يتبع هواه، ما يفقده التوازن! 
وضع المؤلفون رأيهم في حالة عداء مع مرجعيات مقرة من الهيئات الفلسطينية، بما يطرح السؤال حول الموقف من المواثيق الدولية وتحولها إلى جزء من المرجعيات النافذة بعد الانضمام والمصادقة!
وفي اقتباس آخر، تحت مسمى «عقيدة الولاء والبراء»، واعتبار أن الولاء يفرض على كل مسلم محبة المسلمين لبعضهم، بينما فريضة البراء تقتضي بُغض الكافرين ومعاداتهم وعدم المشاركة في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها، وعدم التسمي بأسمائهم ولباسهم! وكيف نفسر دعوة المؤلفين في منهاج الصف التاسع والعاشر إلى العمل على إعادة دولة الخلافة وأنه واجب محتم، بما يخلق وعياً أن فلسطين ليست دولة ديمقراطية كما يدعي النظام الأساسي! عن أي هوية وطنية وديمقراطية مشوشة نتحدث وتتبلور! 
أما ما يتعلق بالمساواة والمرأة، يصر المؤلفون على معاكسة الاتجاه العام للدولة. الإصرار على استخدام مصطلح الجاريات رغم انتهاء عصر العبودية، الإصرار على أن النساء لسن من بين أهل الحل والعقد، وأنه يمنع على النساء تولي منصب في القضاء! 
لا يزال المؤلفون يتعاملون مع مصطلحات لم يعفُ عليها الزمن فقط، بل تولد الكراهية والمشاعر السيئة المتبادلة، ماذا يفيد الطلبة «أن يعرفوا أن نمص الحواجب والوشم معصية وأن العطر كارتكاب الزنى؟!».  
كل ما سبق غيض من فيض الدراسة، ربما أضيف ما ذكره تقرير مركز إبداع المعلم: أن 40% من طلبة الصفوف الأساسية الأولى لا يجيدون القراءة والكتابة، وتوقع التقرير أن 11.4 عام من تعليم طلبة الضفة وغزة، لا تعادل سوى 7.5 عام، حسب معايير جودة التعليم! 
دراسة «مهند عبد الحميدُ تدق جرس الإنذار بقوة، ونتوقع من وزارة التربية الاستنفار لدى صدور كل دراسة للتدقيق والإصلاح، وهذا لا ينتقص منها بل يُستقبل بالاحترام. فالأمور المشار إليها ليست أحد المزحات الثقيلة، وتكرار التجاهل الذي أبدته الوزارات المتعاقبة يثير الاستغراب ويفتح نحو معركة مفتوحة مع المناهج والقوانين، كما فُتحت المعركة على قانون الضمان الاجتماعي وتحولها إلى قضية رأي عام.

كاريكاتـــــير