شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 22 يوليو 2019م12:38 بتوقيت القدس

أمهات من غزّة: "الحرب في أرواح أطفالنا باقية وتتمدد"

10 يوليو 2019 - 09:26

قطاع غزة:

حسناً، هدأ صوت العدوان، لكن أصوات الصواريخ وقذائف المدفعيات وهدير الطائرات ما زال يلاحق الفلسطينيين في قطاع غزّة، يلاحق الأطفال ويلاحق الرجال ويلاحق النساء وكبار السن والجميع دون استثناء، يرون الحرب على هيئة باب قد يرتطم بصوت قوي بفعل تيار هواء جرى، أو يرونها على شكل برق ضرب سماء غزّة فأنارها كما لو كان صاروخ أسقطته طائرة إسرائيلية فألهب هدف ما أيقظ المدينة بأكملها.

إنه العدوان، أو "الحرب" كما يندرج على لسان الفلسطينيين المحاصرين منذ ١٣ عاماً تقريبا، محاصرين بين الموت القادم من الحدود والموت الآتي من السّماء، والموت الذي يتربّص بهم هناك في بوارج حربية تغزو بحر غزّة الملوّث، ملوث بمياه الصرف الصحي وملوث بالبارود أيضاً.

ويصادف، الثامن من يوليو/تموز، الذكرى السنوية الرابعة للحرب الأخيرة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة صيف 2014، في وقت تزداد فيه المعاناة الإنسانية، جرّاء الأوضاع التي يصفها مسؤولون أمميون، بـ"الكارثية".

"الحرب كبّرت أطفالنا قبل أوانهم" تقول نهى موسى تعليقاً على تأثير الحرب على طفلها وغيره من المقيمين في غزّة: "منذ الإعلان عن وقفها بعد شهرين دمويين، أصبح تعلق ابني أيوب بمتابعة الأخبار كالهوس، لا يركّز بمذاكرته مثلما يركّز بمتابعة السياسة".

أيوب الذي يبلغ من العمر ١٤ عاماً، ينضم إلى عشرات المجموعات الإخبارية عبر موقعي واتساب وتيليغرام، بالإضافة إلى متابعة الصفحات الإخبارية على موقع فيسبوك بشكل ليس عادي، تحديداً في أيام الجمعة التي اشتهرت بخروج الفلسطينيين في مسيرات العودة منذ أكثر من عام ونصف، وما يمكن أن يلحقها من اندلاع موجات تصعيد يمكن أن تمتد إلى أيام عديدة كما جرى في مايو /أيار من العام الجاري.

وبحسب والدة أيوب، فإنه ما أن يسمع أي خبر يتعلق بالتصعيد وإن كان في إطار الحرب النفسية، إلا أنه يفزع إخوته وأخواته بإنذارهم أن الحرب ستعود، بشكل لا يُخفي ملامح وجهه ولونه الذي يميل إلى الأصفر نتيجة الخوف.

ولا يختلف وضع أيوب عن وضع الطفلة آية عباس ١٢ عاماً، التي تقول والدتها إنها لا تغيب عن أي حديث سياسي أو عابر يحدث أمامها، حول الحرب والجو العام في غزة، فتجد الطفلة تقاطع الكبار وتأخذ بتحليل الوضع وأن "الحرب قادمة بالتأكيد، ذلك لأن الاحتلال يريد قتلنا جميعاً في غزة وتهجيرنا كما جرى معنا ليلة مجزرة الشجاعية في ٢٠ تموز /يوليو من العام ٢٠١٤، وفق رواية الأم.

وتضيف: "عندما أراجع دروسها معها كانت تلفت انتباهي دائماً في مادة اللغة العربية وموضوع التعبير الذي تحاول كتابته، فإنها غالباً ما تختار قصة هذا الشهيد أو ذلك، ليلة النزوح أو الحرب أو العدوان على غزة".

وتتابع أنه حتى في أحاديث الأطفال وألعابهم باتت آية تنعزل إلا من قصص المأساة والحرب، يتسابق الأطفال في شارعها في سرد رواياتهم في النزوح ومشاهدة جثث الشهداء التي تناثرت في الشوارع أو أي الجدران كانت ممتلئة أكثر بالدماء.

تحاول أم آية إشغال طفلتها عن التفكير بالأمر برواية قصص جميلة واختيار مسلسلات كرتونية أو الخروج للتنزّه لكن الطفلة سرعان ما تعود لحالتها التي تحولت إلى أمر مأساوي طبيعي يعيشه الأطفال بغزة، كلما سمعت صوت إطلاق نار أو حتى مفرقعات نارية في مناسبة ما.

الطفل كنان مهدي ١٣ عاماً، يكاد لا يرغب باقتناء أي نوع من الألعاب لا يتعلق بـ "الأسلحة والطخ" بحسب والدته التي تحدّثت بأن "طفلي من بعد الحرب صار لديه هوس بهذه الألعاب، يتخيل أن أمامه جندي صهيوني أتى لقتله وبالتالي يجب عليه التخلص منه قبل أن يقتله".

وتضيف: "في الحرب لم نستطع أن نمنع أطفالنا عن مشاهدة التلفاز الذي بث صور الأطفال الشهداء والتي فعلاً أثرت بنفسية ابني، خاصة أن اثنين من أبناء مدرسته قد استشهدا".

وعند تعامل الأم مع طفلها بالنسبة إلى اختيار الألعاب وإبعاده عن الذي يرغب به، تجده إما ينعزل وإما يخترع ألعابا أخرى غير محسوسة مع اخوته الأطفال، كما تؤكد أنها ليست الوحيدة التي تعاني من الأمر بل إن الكثير من جاراتها وقريباتها يشتكون من نفس المشكلة تحدث مع أطفالهن نتيجة الحروب التي مرت فيها غزة، بل إنها تصف "الحرب في أرواح أطفالنا باقية وتتمدد".

وأدت الحرب إلى مقتل 2322 فلسطينيًا، بينهم 578 طفلاً (1شهر-16 عاما)، و489 امرأةً (20-40عاماً)، و102 مسنًا (50-80عاماً)، وفق إحصائية رسمية صدرت عن وزارة الصحة الفلسطينية.

وتسببت الحرب، بإصابة نحو 11 ألفًا، منهم 302 سيدة، ومنهن 100 سيدة تعاني من إعاقة دائمة، كما وأصيب (3303) من بين الجرحى بإعاقة دائمة، وفق الإحصائية.

وعلى صعيد قطاع الإسكان، فإن الحرب الأخيرة تسببت بهدم 12 ألف وحدة سكينة بشكل كلّي، فيما بلغ عدد المهدمة جزئياً 160 ألف وحدة، منها 6600 وحدة غير صالحة للسكن، بحسب إحصائية، أعدتها وزارة الأشغال ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).