شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 01 يونيو 2020م08:15 بتوقيت القدس

وفازت بجائزة القلم البريطاني

كيف قفزت نيروز قرموط من السياسة إلى الأدب

19 يوليو 2017 - 22:58
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-نوى-شيرين خليفة:

لا تدري الشابة نيروز قرموط كيف انتقلت سريعًا من الكتابة في السياسة التي عاشت تجربتها لسنوات قبل أن تكتب قصتها الأولى "عباءة البحر" عام 2014؛ إلا أن المفاجأة الأكبر قبول دار نشر بريطانية للقصة دون تعديل، بل وتوقيع عقد معها لنشر كتاب يحمل الاسم ذاته "عباءة البحر"، ثم فوجئت أيضًا بفوز قصتها مؤخرًا بجائزة القلم البريطاني، كتبت خلال الحرب الإسرائيلية على غزة طوال 51 يومًا للرأي العام البريطاني ولمجلة آسيا في كوريا الجنوبية، فمن هي نيروز قرموط التي عُرفت خارج قطاع غزة قبل أن تنال شهرتها داخله.

زيارة إلى بيت نيروز قرموط في منطقة تل الهوى بمدينة غزة، جدران غرفة المكتب تأنّقت بعناية متخذة من اللون البني بدرجاته كساء؛ زاده بهاءً تلك العتمة الطبيعية النابعة من انقطاع الكهرباء عن مدينة غزة، ولا يقطع هيبة كتبها المصطّفة برفق على الأرفف بقعة الضوء البسيطة؛ تلك القادمة من لوحة سريالية متربعة على عرش الجدار المجاور فيغلب عليها اللونين الأبيض والأخضر، لتضفي على الغرفة تناقض لوني هادئ يزيدها رونقًا وسكون، ربما تشكّل بهيئتها أحد طقوس الكتابة النيروزية إلى جانب "دلة القهوة" البنفسجية والفناجين الراقية البيضاء الصغيرة الموضوعة برفق على طاولة المكتب.

إلى البداية

وُلدت نيروز عام 1984 في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في سوريا، فتحت عيناها على بيت سياسي، فوالدها أحد مناضلي الجبهة الشعبية، ووالدتها مناضلة من فتح، تنوّع أثرى عقلها منذ الصغر رغم عدم انتمائها لأي اتجاه سياسي، لكن التواجد الدائم للمثقفين في بيتهم ساهم في تشكيل وعيها مبكرًا.

بصوت عميق هادئ تقول:"لم أخطط لأكون كاتبة ولم أجرب الكتابة، عندما كنت صغيرة قرأت للكتّاب الفلسطينيين أبرزهم غسان كنفاني ومحمود درويش، كانوا يرسموا لي صورة الوطن الذي لم أره بعد، وهذا صنع زخمًا في مخيلتي دون أن أشعر، كنت مبدعة في كتابة التعبير وقواعد اللغة العربية، لكن متفوقة في الرياضيات والمواد العلمية، فاهتم أهلي بهذا الجانب".

مع والدتها صباح العكلوك

عادت نيروز إلى قطاع غزة عام 1994 مع عودة السلطة الفلسطينية، سكنت في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزة، ثم تنقّلت من مكان لآخر حتى استقرت العائلة في منزلهم الحالي، وهذا جعلها ترى كل فئات المجتمع، حملت من معنى اسمها الفارسي "يوم الفرح" الكثير، درست الصيدلة ثم العلوم الإدارية وعملت في وزارة شؤون المرأة وشاركت في كتابة الخطة الاستراتيجية لها، كل هذا أثرى تجربتها ولكن بقيت بعيدة عن الكتابة.

كانت تطورات الحالة الفلسطينية بعد انتفاضة الأقصى عام 2000، وعدم قدرة العائلة على الحصول على هوية فلسطينية حتى العام 2009، وعجزها عن السفر إلى الضفة الغربية من أجل الزواج، ثم فوز حماس في الانتخابات التشريعية، والاشتباكات الداخلية، ثم الانقسام، أحداث متلاحقة بقيت تحفر عميقًا في نفس نيروز وتفجّر طاقة لم تدرِ بعد ما هو مكمنها ولا طبيعتها، رغم أنها كانت خلال دراستها الصيدلة عندما تملّ المواد العلمية تكتب شعرًا ونثرًا ولو بشكل متقطّع.

ابتسامة خفيفة تلك التي رسمتها على وجهها قبل أن تكمل:"بعد الانقسام شعرت أن هويتنا تذوب، تاريخنا النضالي ينشرخ، بدأت في كتابة المقالات السياسية على الفيس بوك منذ عام 2008، أصبح لدي متابعين، انتبه لي الكاتب حسن عصفور رئيس تحرير موقع أمد، فطلب مني المواصلة وبدأ ينشر لي في أمد، شخصيتي كانت مجهولة بالنسبة للجميع، فأنا لم أضع صورتي إلا عام 2014، بل وبعضهم ظن بأنني ذكر، والبعض ظن أنني من خارج الوطن، أما أنا فواصلت الكتابة بهذه الشخصية الغامضة".

بين الأعوام 2008- 2014 كانت انطلاقة نيروز الحقيقة نحو كتابة المقال السياسي، خاضته بكل تفاصيله، اضطرها للقراءة والمطالعة والكتابة بعمق، خاصة وأنها متابعة جيدة لنشرات الأخبار منذ الصغر، كان يخالف رأيها الكثيرون ويوافقها غيرهم، لكن هذا جعلها تكمل، ثم كتبت في مجلة سياسات في رام الله  مقالات تحليلية تحتاج إلى عمق أكبر واطلاع أعلى، ولم تفكر حتى اللحظة في الكتابة الأدبية، إلى أن لفت انتباهها للغتها الأدبية الكاتب عاطف أبو سيف.

نحو الأدب

استندت نيروز قليلًا إلى ظهر مقعدها البنيّ الأنيق، تناولت رشفة من القهوة قبل أن تكمل :"طلب مني الدكتور عاطف المشاركة في كتاب يتم إعداده عن غزة، بكتابة قصة قصيرة، لكنني رفضت، فقال بأن كتابتي تحمل اتجاهًا سرديًا وهذا جميل في القصة، توقّع بأنني سأكون كاتبة ناجحة ولكنني رفضت وقلت بأن الكتابة الأدبية ليست لي فقال "فكّري"؛ أغلقت الهاتف وفورًا لاحت لي عباءة البحر فكتبتها في ذات الليلة".

أبلغت نيروز الدكتور عاطف بكتابتها القصة التي كانت واحدة من 10 قصص تم نشرها في كتاب لكتّاب شبان، المفاجئ أنها القصة الوحيدة التي لم يُحرر عليها ولا كلمة واحدة، ثم وقعت الحرب التي استمرت 51 يومًا عانى خلال الجميع وحشية المحتل، وهنا طلبت دار النشر من نيروز مواصلة الكتابة حول الحرب وتداعياتها على الناس، استمرت تكتب يوميًا  على مدار 51 يومًا، أبرز ما كتبته "أم أحمد خبر عاجل" وهي قصة مستوحاة من الحرب، ثم كتبت لمجلة آسيا في كوريا الجنوبية.

وهذا دفع دار النشر البريطانية لطلب توقيع عقد مع نيروز من أجل كتابة 14 قصة في ذات العام، كانت قد عاشت الحرب بكل ويلاتها خاصة وأن جزءًا من شقتهم السكنية تهدّمت بفعل قصف برج مجاور، حالتها النفسية لم تكن تسمح، فعرضت عليها دار النشر تأجيل الكتابة عام آخر ريثما تسمح حالتها بذلك، إذ كان السيد راع بيج هو أحد أهم الداعمين لموهبتها، خاصة وأنه رجل ينتمي بفكره للشرق، وأحبّ مصر كثيرًا، فوالده كان صديق للرئيس المصري الراجل جمال عبد الناصر، وكان مولعًا بالحضارة المصرية لهذا أسماه راع تيمنًا بأحد ملوك الحضارة الفرعونية.

تقول نيروز:"مع نهاية عام 2015 اشتريت مجموعة كبيرة من الكتب لمطالعتها، كتبت 20 قصة، عادة أحتاج إلى الكثير من الوقت للتفكير وتكثيف الفكرة، ثم أشعر أنني كمن يحمل في عقله شيئًا مكتملًا ويفرغه على الورق، لهذا مجرد أن أبدأ الكتابة فإن قلمي سيّال وأكتب بسرعة".

فازت نيروز عام 2016 بجائزة المرأة المبدعة عن قصتها "عباءة البحر"، قبل أن تفوز في العام الحالي بجائزة القلم البريطانية، عن ذات القصة، وهي بانتظار طباعة كتابها عباءة البحر الذي سيضم على الأقل 14 قصة من أصل 20 كتبتها خلال العام الماضي، ولكن هل نسيت نيروز التحليل السياسي؟

عند هذا السؤال ضحكت نيروز وقالت ببساطة وهدوء :"لا"، ثم ارتشفت قهوتها مجددًا ووضعتها بهدوء على الطاولة قبل أن تكمل:"التحليل السياسي يصلّب النص، ولكن الأدب أعمق وأكثر غزارة، فالسياسة لغتها مباشرة أما الأدب فالسياسة تأتي بين سطوره وفي ثناياه، لم أنسَ التحليل السياسي، ولكن الأدب أعمق".

في كتابها الذي سيصدر عن دار النشر البريطانية، كتبت نيروز عن مخيم اليرموك، كتبت عن الضفة الغربية بمدنها وقراها، عن القدس وأهلها وطباعهم ومعاناة الناس فيها، لم تشاهد نيروز معظم ما كتبت عنه، ولكن خيالها الخصب ساعدها على المواصلة إضافة إلى البحث عن المعلومات المهمة والرئيسية التي تشكّل قصتها، بطبيعتها نيروز باحثة رغم أنها لم تتقدم بعد للدراسات العليا، لكنها تظن أن الوقت أمامها لتفعل الكثير مما تطمح إليه، ودّعتنا نيروز والأمل يحذوها بأن ترى اليوم الذي يتم فيه ترجمة قصتها إلى العربية ليقرأها الجميع.