شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 14 أغسطس 2018م07:04 بتوقيت القدس

التاريخ الذي لا يُصنع على هوانا..!!

31 يونيو 2018 - 07:16
حسن خضر
شبكة نوى:

ذكرنا في مقالة سبقت، في معرض التعليق على قانون القومية، أن أفقاً جديداً ينفتح الآن. وقد تكون القاعدة الفلسفية لأمر كهذا مفهومة بالعودة إلى طيّب الذكر ماركس، الذي يقول ما مفاده: إن الناس لا يصنعون تاريخهم على هواهم، بل على أساس ظروف يُواجَهون بها. 
وقد وجد الفلسطينيون أنفسهم منذ العام 1948 إزاء مصائر ومسارات مختلفة، حين واجهوا ظروفاً تجلّت في حقيقة أنهم أصبحوا كتلاً ديموغرافية مُنفصلة تعيش شروطاً سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة، أيضاً. فهناك كتلة الجليل والمثلث والنقب، وكتلة غزة، وكتلة الضفة الغربية، وكتل اللاجئين في بلدان الجوار العربي، وأوروبا والأميركتين الشمالية واللاتينية. 
هذا ما كان عليه الوضع حتى العام 1967، عندما أعاد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة خلق واقع جديد كانت نتيجته الموضوعية، من حيث لا يشاء، توحيد الكتل الديموغرافية الكبرى، في غزة والضفة الغربية مع كتلة الجليل والمثلث والنقب.
وقد استمرت هذه الحال حتى أوائل تسعينيات القرن الماضي، حين فرض الإسرائيليون قيوداً على حرية الحركة والتفاعل بين تلك الكتل، وتكرّس الانفصال بين كتلتي غزة والضفة الغربية من ناحية، وكتلة الجليل والمثلث والنقب من ناحية ثانية بعد أوسلو، مع قيود فعلية على الحركة والتفاعل بين غزة والضفة، وهذا ما كرّسته "حماس" بفصل غزة عن الضفة الغربية بعد انقلاب العام 2007.
ويمكن القول، بأثر رجعي: إن أغنى وأخصب فترة في حياة الفلسطينيين، بعد النكبة، بالمعنى الثقافي، والسياسي، والاجتماعي، تغطي الفترة ما بعد الاحتلال وأوائل تسعينيات القرن الماضي. ففي ذلك الوقت صعدت الحركة الوطنية، ونالت منظمة التحرير شرعية عربية ودولية كممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين، وازدهرت الفنون والآداب، والمؤسسات التعليمية، والنقابات المهنية، والجمعيات الأهلية، والهوية الوطنية.
هناك، بطبيعة الحال، الكثير من العوامل الإقليمية، والدولية، التي أسهمت في تحقيق ما تقدّم. ولكن فرضيتي الرئيسة منذ سنوات طويلة تتجلى في حقيقة أن التواصل والتفاعل بلا انقطاع، على مدار ما يزيد على عقدين من الزمن، بين الكتل الديموغرافية الثلاث، هي مفتاح هذا كله، وكلمة السر فيه. وهذا، على الأرجح ما أدركه الإسرائيليون، أيضاً.
ولنقل: إن "أوسلو" وضع حداً للتواصل والتفاعل. الإسرائيليون من جانبهم فرضوا، بعده، وبناء عليه، قيوداً على حرية الحركة. ولكن "أوسلو" كان يعني، أيضاً، أن ثمة مصائر مختلفة تفرض نفسها الآن. وهذا ما تجلى في مشروع دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومشروع مواطنة وحقوق متساوية بالنسبة لكتلة الجليل والمثلث والنقب، ومشاريع متباينة للكتل القريبة والبعيدة في الجوار العربي، والعالم. وبمعنى أكثر مباشرة: تعددت مصائر وخيارات الفلسطينيين كجماعة بشرية ذات خصوصية قومية، وهوية وطنية، ولم يعد لديهم ما يمكن أن يُسمّى مشروعاً توحيدياً واحداً ومُوّحِداً.
واليوم، وبأثر رجعي، أيضاً، يمكن القول: إن غياب المشروع التوحيدي الواحد والمُوّحِد كان السمة الرئيسة لسنوات ما بعد أوسلو. ثمة مرافعات كثيرة في هذا الشأن. لماذا، وكيف، وهل نجم غياب المشروع عن قصور ذاتي، أم كان القصور عضوياً وفي صميم بنية أوسلو؟ لا ينبغي التقليل من شأن كل تلك المرافعات، ولا الركون إلى إجابات سريعة. سنجد، اليوم، من يزايد على طريقة: ألم نقل لكم؟ ومَنْ يحاول التنصّل من قناعة سابقة بمشروع الدولة، كثمرة لأوسلو.
المهم الآن أن مشروع الدولة لم يعد مُرشحاً للحياة، وأن مشروع المواطنة لم يعد قابلاً للتحقيق. وفي هذا، ما يُوّحد الكتل الثلاث الكبرى في الجليل، وغزة، والضفة، بشكل غير مسبوق، ونظرياً على الأقل، في مصير واحد.
والمهم، أيضاً، وهذا وثيق الصلة بما سبق، أن الدول التي يضيع فيها الفرق بين هوية النظام وهوية الدولة، ليصبح مصير الأولى رهينة للثانية، والعكس صحيح، كما كان الشأن في بلدان الكتلة الاشتراكية، وكما هو الشأن في بلدان الأوتوقراطيات الدينية العربية والإيرانية، وبلدان القوميات الأوروبية ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، أكثر هشاشة بالمعنى الوجودي والبنيوي من غيرها. فهي تتصرّف، كما في قول لماوتسي تونغ، كمَنْ يبري قدمه لتنسجم مع حجم الحذاء. وبقدر ما يتعلّق الأمر بإسرائيل، الدولة والنظام السياسي، فإن تحوّلات أيديولوجية وسياسية وتشريعية متلاحقة تنم عن ميل كهذا. 
وفي هذا ما يعني، أيضاً وأيضاً، أن المصير الواحد، الذي يتجلى كاحتمال نظري على الأقل، يشمل الفلسطينيين والإسرائيليين، فلا يمكن للطرف الأوّل أن يفكر في مستقبل من نوع ما دون أن يجد للطرف للثاني مساحة فيه تستدعي التعاون والمشاركة. والعكس صحيح أيضاً، بقدر ما يتعلّق الأمر بالإسرائيليين المعادين للحصرية، والتمركز القومي والإثني والديني على الذات. هل نصل بهذا إلى تصوّر الدولة الواحدة؟ ربما. ومع ذلك، ثمة الكثير من الواجبات المنزلية التي لا تحتمل التأجيل. فلدينا من التمركزات القومية والإثنية والدينية على الذات ما تنوء بحمله الجبال.
كل ما في الأمر، أن انفتاح أفق من نوع ما لا يعني، بالضرورة وصفة مضمونة للنجاح، ولا ينطوي على حتميات مُسبقة، فهذا، كما ذاك، مشروط بفعالية واجتهاد إنسان لا يصنع التاريخ على هواه بل يحاول التأقلم مع، والاستفادة مِنْ، ظروف فُرضت عليه.

لنــا كلـــمة