شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 14 أغسطس 2018م07:07 بتوقيت القدس

يفتقدون الحق في المسكن

سكان العشوائيات: أولويات على هامش الأجندة الحكومية

26 يونيو 2018 - 12:02
خلود لافي
شبكة نوى:

غزة:

تقطن السيدة زينب عدوان هي وأسرتها المكونة من ثمانية أفراد داخل خيمة تقع في منطقة الشوكة أقصى شرق محافظة رفح، وسط تجمع حاويات للقمامة

على طول الطريق المؤدي إلى منزل السيدة زينت الممتد إلى أكثر من مئة متر، تنبعث روائح كريهة وتنتشر كلاب ضالة مع دخول الليل، الواقع الذي تعيشه هذه السيدة مع أبناءها وزوجها الذي يعاني مرضاً نفسياً لا يتطابق مع الحياة الأدمية التي كفلها قانون الحق في المسكن.

وبعيداً عن اللوم الذي يوجهه سكان هذه المنطقة إلى بلدية الشوكة في عدم تحملها مسؤولياتها تجاه المنطقة التي أصبحت مثل مكب للنفايات، إلا أن السيدة زينب تتطلع إلى مسكن آمن يباعد بينها وبين الآفات المنتشرة حولها.

وتعيش أسرة هذه السيدة، داخل خيمتين مقامتان على قطعة أرض صغيرة محّاطة بألواح الصفيح والقماش المهتالك.

الثلاجة داخل الخيمة الأولى تحولت إلى خزانة ملابس، يعتليها طبق من الصفيح به بضعة أرغفة، بعد أن تنتهي هذه السيدة من إعداد الطعام للصغار وهو مكون من خبز وبندورة، تعود لتستظل بظهرها على جذع شجرة كبيرة تجاور الخيمة، هرباً من حرار الطقس التي حولت الخيمة إلى "فرن"، على حد وصفها.

وفي الوقت الذي تسعى فيه بعض العائلات للاستمتاع بالعطلة الصيفية ما بين شاطئ البحر والمتنزهات، تسعى السيدة زينب جاهدة من أجل البحث عن قوت أبناءها الذين تجاوز عمر أكبرهم الـ20 عاماُ، معبرة عن أمنيتها الوحيدة في الحياة، ألا وهي العيش في مسكن آدمي يتوفر فيه مقومات الحياة الكريمة.. "حملي الأكبر هو بيت مؤثث ونظيف ومياه نظيفة وصحية".

"زينب" ليست وحدها من يعاني جراء عدم توفر مسكن، هناك العشرات من الأسر الفقيرة التي تعيش في بيئة أشبه بـ"العشوائيات"، ولا تجد بداً من إفتراش الأراضي الحكومية واتخاذها مأوى نظرا للظروف الاقتصادية الصعبة التي تحول دون تمكينهم من استئجار شقق بديلة عن هذه الأماكن المهمشة.

ويعتبر قطاع غزة أكثر الأماكن كثافة سكانية في العالم، إذ بلغت الكثافة السكانية المقدرة عام 2017 نحو 5,324 فرداً لـ"كم2". وربما أسهمت هذه الكثافة في خلق حالة من العجز في الوحدات السكنية، الأمر الذي ساعد في إنشاء تجمعات عشوائية وخلق فرصة للتعدي على الأراضي الحكومية.

في مخيم "نهر البارد" الواقع في منطقة منخفضة غرب محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، توجد العديد من المساكن التي تغطيها بعض ألواح الصفيح والقماش البالي الذي لا يقي من برد الشتاء ولا حر الصيف.

وهذه المنطقة تخلو من مظاهر الحياة، حيث تعدم فرص وصول المواصلات إلى السكان، لاسيما وأن المنطقة واقعة في محيط مقبرة، وبجوارها مكب للنفايات.

ويقول السكان داخل المخيم المتهالك: "لقد زارنا سابقاً وزير الإسكان مفيد الحساينة، ووعد بحل المشكلة ولكن حتى الآن لم يتنفذ شيء على أرض الواقع".

ولا يختلف الحالُ كثيرًا في مناطق مختلفة من قطاع غزة، ففي المحافظة الشمالية يوجد مناطق مهمشة "ببورة" أبو سمرة، وعزبة بيت حانون، وعزبة ابو خوصة في بيت لاهيا، ومنطقة الجورة وبئر النعجة وغيرها بمخيم جباليا.

أما في غزة فهناك العديد من التجمعات في مناطق مختلفة كمنطقة المحطة وسكة الميناوي وبركة قمر، غير أن محافظة رفح تتصدر أعلى نسبة مساكن عشوائية مهمشة، تقع في مناطق مختلفة من المحافظة.

وتنص المادة 23 من القانون الأساسي الفلسطيني، على أن "المسكن الملائم حق لكل مواطن، وتسعى السلطة الوطنية الفلسطينية لتامين المسكن لمن لا مأوى له". فيما تهدف المادة (2) من قرار وزير الاسكان رقم (1) لسنة 1997 بشأن تنظيم الانتفاع بالوحدات العقارية التي تحصل عليها وزارة الاسكان، إلى تنظيم الانتفاع بالوحدات العقارية التي تحصل عليها الوزارة في مشروعات الإسكان، وذلك بشرائها أو استئجارها من الوزارة وفقاً للأحكام الواردة في هذا القرار.

ومن الواضح أن تلك المواد القانونية ظلت حبراً على ورق، وبخاصة أن وزارة الاشغال العامة والإسكان لم تنجح إلا في حل مشكلة المساكن العشوائية بمنطقة "جورة الصفطاوي" غرب جباليا شمال القطاع، دون غيرها من العشوائيات.

واستطاع سكان هذا الحي العشوائي انتزاع حقهم، عقب مناشدات عديدة لحل أزمتهم، حيث قامت الحكومة بتخصيص وحدات سكنية للسكان المهمشين، في مشروع إسكان حي "الهدى" في منطقة حجر الديك، الممول من تركيا.

ويقول الحقوقي في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، بهجت الحلو، إن السكن أكبر من أن يكون أربعة جدران وسقف ونوافذ وشرفات، أنه المكان الذي تتواصل فيه الأسرة، وتنمو فيه العلاقات، وتُتقاسم فيه الوجبات، وتتوالد فيه الذكريات، وهو مركز حياتنا الاجتماعية والعاطفية.

واعتبر الحلو في ورقة عمل قدمها تحت عنوان (الحق في السكن والتزامات الدولة بضمانات الحماية) أن الحق في السكن أحد العناصر الأساسية المكونة للحق في مستوى معيشي لائق، ويحظى بمكانة مركزية في القانون الدولي لحقوق الإنسان نظراً لارتباطه بحقوق الإنسان الأخرى وخصوصا الحق في الصحة، والتعليم، والضمان الاجتماعي والحق في الخصوصية.

وأكد على ارتباط هذا الحق، ارتباطاً وثيقا بحقوق فئات محدده كالأطفال والنساء والأشخاص من ذوي الإعاقة والمشردون داخلياً. وعليه، قال إن هذا الحق يرتبط بجملة من الالتزامات التي يتوجب على الدولة الوفاء بها لحماية الحق في السكن، والتي تكون خاضعة للرصد والمساءلة.

أمام هذا القصور الواضح في تطبيق القانون، قامت مراسلة "نوى"، بمساءلة وزارة الأشعال العامة والإسكان، حول حق الفقراء في الحصول على مأوى، أقر وكيل الوزارة المهندس ناجي سرحان، بدايةً بحق الفقراء في  السكن، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن تكلفة توفير السكن مكلفة جداً بالنسبة لحكومة تعتمد علي المساعدات، فضلا عن أنه لا يتوفر ميزانية مخصصة من قبل الإيرادات الخاصة بالحكومة لدعم مجال الاسكان.

وقال سرحان: "كل ما نقوم به في مجال الاسكان سواء كان بناء وحدات سكنية أو ترميم أخرى، هو عبارة عن منح تقدمها الدول المانحة".

ولفت إلى أنه خلال أغسطس القادم ستقوم وزارة الأشغال العامة والإسكان بمنح بعض السكان في منطقة "مخيم نهر البارد" شققاً في مدينة تيكا التركية المقامة بمنطقة جحر الديك وسط قطاع غزة، مبيناً أنه مازال لديهم آلاف الطلبات لأسر تعاني جراء افتقادها للمسكن، لكنهم يعتمدون على الأولويات، غير أن الأمر مناط بمدى توفر المنح.

وفي إجابته على السؤال المتعلق بالمعايير المعتمدة لدى الوزارة لمنح المواطنين شققا سكنية، قال سرحان: "هناك عدة معايير، أولها معيار السكن الموجود للمواطن هل هو سكن صحي ملائم؟، هل هو ايجار؟، أو عبارة عن تعدي علي أراضي حكومية؟، ننظر أيضا إلى عدد أفراد الأسرة، الإعاقات، الأسر التي تقودها إمرأة، الجرحى، أسر الشهداء، بالإضافة إلى مستوى دخل الفرد، كل هذه العوامل تأخذ على شكل نقاط، وعلى أساسها يتم منح الشقق ."

وأوضح أن هناك خطة معدة سلفا للقضاء على العشوائيات ومنح الفقراء حقهم في السكن الملائم،  مشيرا إلى أن وزارته نفذت سابقاً عدة مشاريع، منها إعادة تخطيط المناطق العشوائية، غير أن "الظروف السياسية تحول دون الاستكمال".

وقال "كلما نبدأ في تنفيذ هذه الخطة تباغتنا الحروب، وبالتالي تتحول الأولويات، وتصبح منصبة نحو إيواء المتضررين والمهجرين، أكثر من إعادة تخطيط المناطق العشوائية وإيواء سكانها".

في السياق ذاته، فسر وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان، عدم تأهيل مساكن هذه العشوائيات، إلى حين توفر مساكن بديلة، بأنه عائد لعدة عوامل: من أبرزها عدم توفر التمويل، فيما أن العوامل الأخرى متعلقة بتعمد فئة من الناس التعدي على الأراضي الحكومية.

وقال: "نجد في هذه المناطق المحتاج، والتاجر، وآخرون لهم مساكن بديلة، وفريق ثالث من موظفين، لذلك التعامل مع هذه المناطق يكون حسب الأصول، بمعنى هل صاحب الحاجة للمسكن مقتدر أو عاجز حقيقةً عن توفير مسكن، كما نبحث عن البديل، لأننا وجدنا أن مواطنين قاموا ببيع  شققهما السكنية وأقاموا فوق الأراضي الحكومية، وآخرون موظفون ولديهم راتب شهري ثابت.. لذلك التعامل مع هذه الفئات يتم بدرجات مختلفة".

لنــا كلـــمة