شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 14 أغسطس 2018م07:07 بتوقيت القدس

السلطان أردوغان

26 يونيو 2018 - 06:14
عبير بشير
شبكة نوى:

توج النظام الرئاسي، رجب طيب أردوغان، سلطاناً عثمانياً بنسخة جديدة، وحاكماً وحيداً لتركيا، ورئيساً يتمتع بصلاحيات تنفيذية خارقة، بعد أن ألغى منصب رئيس الوزراء، وركز معظم السلطات في يد أردوغان، وغابت بشكل شبه كامل الضوابط والتوازنات المعمول بها في الديموقراطيات الليبرالية، أي ان تركيا أردوغان  أصبحت نظاماً سلطوياً ممأسساً.
ولم يجرؤ أحد من خصوم أردوغان في داخل تركيا وخارجها، على تصوّر نتيجة للانتخابات تطوي ذكر الرجل، وهو الذي وسم المرحلة بصوابه وخطئه، وشطحاته وبراغماتيته، وانقلاباته وتحالفاته، وحقق لتركيا في عهده حضوراً فاعلاً، وملتبساً، في أزمات الشرق الأوسط، وبعد رحلة صعوده الصاروخي منذ فوزه بمنصب رئيس بلدية إسطنبول، ثم اختياره رئيساً للوزراء، ولاحقاً رئيساً لتركيا في أول انتخابات رئاسية، وكان مثيراً للانتباه في خطاباته وسياساته رغبته الجامحة في إحياء الإمبراطورية العثمانية التي شيعتها الحرب العالمية الأولى.
كما كشفت الانتخابات التركيّة الأخيرة عن صعود الهويات الضدية، فتحالف حزب العدالة والتنمية الإسلامي، وحزب الحركة القوميّة، شبه الفاشي هو تحالف الأضداد- الديني والقومي- وهو تحالف تجاوز سقف مصلحة انتخابية متبادلةّ، ليلبي حاجة أيديولوجية مشتركة عنوانها «القومية التركية فقط» . القوميّون، في هذا الحلف، الطرف الأضعف، لكنّهم الطرف الحاسم: القوميّون هم الذين أمّنوا الفارق الذي منح رجب طيّب أردوغان أكثريّة نيابيّة. الثمن سيكون مكاسب أوسع لقوميّتهم ذات التمركز الإثني المتطرف، وعداء أكثر للأقليات- الأرمنية والكردية.
ويتلاقى أردوغان في تجربته السياسية مع الرئيس المجري فيكتور أوربان الذي اخترع واحداً من أقل الأنظمة الأوروبية ديمقراطية بالاستناد إلى اقتراع الناخبين الذين قبلوا، مقايضة السياسيين التقليديين في المجر، بتسلط أوربان وجماعته الذين يحسنون مخاطبة الرأي العام، وإثارة القضايا التي تمس وجدان المواطن المجري، فيصبح اللاجئون الآتون من بلدان إسلامية، نذيراً بفقدان المجر هويتها المسيحية.
لقد عمل أردوغان بمثابرة وصبر إستراتيجي على مدار العشرين سنة الأخيرة، على صعود تركيا أردوغان، ودفعها في اتجاه الزعامة الأحادية، وأحدث حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه تغييرات جذرية في بنية الحكم وملامح الهوية التركية، واستعجل أردوغان طي صفحة جمهورية أتاتورك، مراهناً على ما حققه عهده من قفزات اقتصادية كبيرة وضعت تركيا في مصاف الاقتصاديات الكبرى، وعلى المشاريع الضخمة التي ساهمت في تحديث البنى التحتية والخدمية في تركيا.
وبات أردوغان يشبه العديد من حكام شرق آسيا في التسعينات، حيث استند مثلهم إلى النجاحات الاقتصادية والتنموية لعهده من أجل تعزيز سطوة نظامه. ورفع أردوغان شعار مكافحة البيروقراطية والتي اعتبرها مناصروه، بوابة الاستعمار الجديد للتدخل في شؤون تركيا، عبر إلغاء منصب رئاسة الوزراء، فيما رفع العديد من زعماء الدول الآسيوية شعار «القيم الآسيوية « التي تعادل في رأيهم الديمقراطية الغربية، وتوازن السلطات وتداولها، وفي نفس الوقت تجنب بلدانهم ما أسموهم «متاعب وصداع الديمقراطية». ويعتبر الحكام الآسيويون أن الخصوصيات المحلية المستمدة من التراث الشعبي، وعلى مزيج من الفلسفة الكونفوشيوسية والتقاليد الأبوية، والولاء والاحترام العميق للدولة والعائلة والتراتبيات الهرمية السلطوية، هي الشكل الأنسب للحكم في تلك البلدان، بينما الديمقراطية هي البوابة لاستحضار الاستعمار إلى بلدانهم.
غير أن أردوغان كان أكثر ذكاء، في إدراك أهمية اللجوء إلى صناديق الاقتراع في الحصول على شرعية الحكم في أكثر من مناسبة. 
ومنذ كمال أتاتورك، مؤسس جمهورية تركيا الحديثة، لم يقلب أحد تركيا رأساً على عقب مثلما فعل أردوغان. قاد الرجل انقلاباً نقل تركيا من علمانية خشنة ومفرطة في موقفها المناهض من مظاهر التدين، إلى ما أطلق عليه أردوغان علمانية متصالحة مع الإسلام، ورافق ذلك حلم جامح في إحياء الإمبراطورية العثمانية، رغم ما يخلّفه هذا الحلم من حساسيات داخل تركيا ومع جيرانها العرب. 
لم ينسَ إردوغان ظروف انهيار الإمبراطورية العثمانية، ولم ينسَ كذلك محاسبة من يعتبرهم مسؤولين عن هذا الانهيار، عرباً أم غرباً. 
لم يُخفِ أردوغان حلمه الذي يعمل لتحقيقه من أجل إحياء الإمبراطورية العثمانية. كانت النزعة العثمانية حاضرة بقوة لدى أردوغان منذ بدايات حكمه. فحينما كان رئيساً لبلدية إسطنبول عمل على إحياء أكثر من موقع أثري يمثل رمزاً للحقبة العثمانية. وأثناء مشاركته في الاحتفال بالذكرى السنوية لوفاة السلطان عبد الحميد الثاني التي أقيمت في قصر يلدز بإسطنبول قال إن: هناك من يعمل على محو الماضي، وعلى أن يبدأ تاريخ تركيا سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين – تاريخ إعلان الجمهورية الأتارتوركية - وهناك من يبذل جهده لانتزاعنا من جذورنا وقيمنا العميقة. وكان يرد بذلك على انتقادات أحزاب تركية معارضة تدعو تركيا إلى احترام حدودها وحدود جيرانها. على الرغم من أنه كان من المتوقع أن تكون علاقات تركيا مع الجوار خاضعة لشعار «صفر مشكلات» الذي أطلقه ووزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو، غير أن إفراط إردوغان في الثقة بالنفس وفي فن مراكمة الخصوم، كل ذلك حول الشعار إلى « مئة وواحد مشكلات».
كما ظهرت علنا هذه النزعة العثمانية المفرطة، في قصر أردوغان الرئاسي الجديد الذي يعتبره معارضوه الأتراك رمزاً لنزعته السلطوية، فالقصر مكون من الف ومائة غرفة وبني بتكلفة تفوق ستمائة مليون دولار، كما أثار وجود  ستة عشر حارساً من الحرس الخاص لأردوغان على سلم القصر الجمهوري الجديد، وهم يرتدون ملابس عسكرية غريبة انتباه وسخرية كثيرين من المتابعين، حيث يمثل كل زي من الازياء، حقبة تركية، بعد سقوط عهد السلاجقة. وقد جسد كل ذلك الحنين الجارف لأردوغان- الهوس- لحقبة السلاطين العثمانيين، والباب العالي.
غير أن أعمق تعبير  للمنظومة السلطانية لدى رجب أردوغان هو ربطه بين تقوية صلاحياته كرئيس وبين صعود تركيا وفقاً لما جاء في تصريح له. 
فيما اختار مصطفى كمال أتاتورك، وهو القائد العسكري الذي ربح المعركة الكبرى الوحيدة التي خسرتها بريطانيا في الحرب العالمية الأولى وهي غاليبولي على مدخل مضائق الدردنيل، وأنقذ ما تبقى من الأرض العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، اختار لإنقاذ روح ومستقبل تركيا، أن يستسلم حضارياً أمام الغرب، وشكّل خيارُه صدمةً عميقة في العالم المسلم.
 

لنــا كلـــمة