شبكة نوى
اليوم الاحد 22 يوليو 2018م08:38 بتوقيت القدس

غياب عدالة توزيع المساعدات يضاعف معاناة الفقراء

03 يونيو 2018 - 21:53
صورة أرشيفية
فداء حلس
شبكة نوى:

غزة:

بنبرة يملؤها الاستنكار عبرت الأربعينية هند الشرفا عن رفضها لآلية توزيع الطرود الغذائية في قطاع غزة خلال شهر رمضان. 
تسكن الشرفا في بيت متواضع من "الزينكو" بمدينة غزة برفقة زوجها وهو من ذوي الإعاقة، وعلى الرغم من صعوبة أوضاعهم إلا أنهما لم يتلقيا أي مساعدة بحجة أنهما شخصان فقط. وصدّمت السيدة حين قال لها باحث وزارة التنمية الاجتماعية:"أنتم لستم عائلة، والمساعدات تُقدم للعائلات ذات الأعداد الكبيرة فقط"، ما جعلها تتساءل حول المعايير التي تعتمدها الوزارة في توزيع المساعدات على الأسر الفقيرة؟.
الحال لم يختلف كثيراً، لدى المواطن نور الدين قشطة من سكان حي الجنينة بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، فقد تقدّم بطلب الحصول على مساعدة من وزارة التنمية الاجتماعية منذ العام 2016، إلا أنه لم يتم الموافقة على اسمه حتى الآن.
يقول قشطة وهو أب لأربعة أبناء، ولم يجد فرصة عمل يعتاش منها بسبب حالة الفقر الشديد وندرة فرص العمل، إنه لم يعد أمامه سوى اللجوء للمساعدات الإنسانية، لكنه كلما راجع الباحث أجابه بأن أسمه على قائمة الانتظار للحصول على الموافقة، ويعقّب قشطة :"لا أعلم ما هي هذه الموافقة ولا ضمن أي معايير".
وهاتان الحالتان هما على سبيل المثال لا الحصر، فغيرهما المئات من الحالات التي لاتزال تطرح تساءلات حول دواعي غياب العدالة في توزيع المساعدات على الأسر المستحقة. 
ويكفل القانون الأساسي الفلسطيني للمواطنين حقوقهم، خصوصا في باب الحقوق والحريات العامة المادة (9) والتي تنص:"الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة." فيما، نصت المادة (10): "حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام ".
في هذا الصدد، قال منسق التحقيقات والشكاوى في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان المحامي بكر التركماني: "دولة فلسطين التزمت فيما يتعلق بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص في الحقوق المدنية والسياسية وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي في مضمونهم يشيروا بشكل واضح إلى المساواة بوصول المواطنين إلى الخدمات، إضافة إلى القانون الأساسي الفلسطيني في المادة (9) و(10).
وأوضح أنه يجب أن تتوفر الشفافية بعملية التوزيع وأن تكون معلنة للمواطنين لضمان العدالة في توزيع المساعدات وإيصالها لمستحقيها، بالإضافة إلى أنه يجب على الدولة أن تتخذ كل التدابير المرتبطة بوصول المساعدات والخدمات المرتبطة بعدالة التوزيع دون أي محاباة في عملية التوزيع.
وأضاف أنه في فلسطين يصل العديد من المساعدات منها مرتبطة بوزارة التنمية الاجتماعية سواء النقدية أو الطارئة، وهناك مساعدات توزعها الأحزاب، وأخرى المؤسسات الأهلية، مشيرا إلى ضرورة وجود ضابط لكل هذه المساعدات حتى يمكن التحقق من وصولها لجميع المواطنين المستحقين بشكل عادل ومتساوي.
وحسب متابعة الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان لهذا الملف، يشير التركماني إلى أن هناك جهودا لا يستطيع لأحد أن ينكرها في محاولة لضبط وتنظيم عملية توزيع المساعدات من قبل بعض الجهات الرسمية، ولكن هذه الجهود تحتاج إلى مزيد من العمل والتنسيق، لضمان وصول المساعدة للمواطنين على قدم المساواة.
وقال التركماني :"إن رأس الهرم في عملية المساءلة وضمان العدالة الاجتماعية هو المجلس التشريعي الفلسطيني، موضحا أنه لدينا مشكلة فيه مرتبطة بالانقسام الفلسطيني، ولابد من إعادة الاعتبار لدوره للرقابة على الأداء الحكومي بشكل عام وفيما يتعلق بموضوع المساعدات بشكل خاص".
وطالب التركماني بضرورة أن يكون هناك حراكا حقيقا من أجل الضغط على الجهات الرسمية وإلزامها بمعايير عدة أولها بمعيار القانون الأساسي الفلسطيني، وأنهم أمام القانون سواء في الحقوق والواجبات، مبينا أن المجلس التشريعي في حال كان فاعلا بالمعني الحقيقي يمكنه مساءلة هذه المؤسسة.
أمام هذا الموقف، كان لابد من العودة إلى المجلس التشريعي من أجل الوقوف على دوره الحقيقي وراء ضمان نزاهة توزيع المساعدات. رئيس لجنة الرقابة وحقوق الانسان في المجلس االنائب يحيي موسى، أكد بدوره أن المجلس التشريعي تقتصر رقابته بشكل مباشر على الوزارات الحكومية، أما المؤسسات ليس لهم دور رقابة مباشر عليها، باعتبار أن كل مؤسسة تراقب عليها وزارة الداخلية أو الوزارة المختصة وفقا لعملها".
وفيما يتعلق بمعرفة المجلس التشريعي جحم المساعدات الإنسانية، أوضح موسى أنه بناء على طلب من المجلس التشريعي يتم الحصول على الإحصاءات والأرقام، ولكن حتى الآن لم تتوفر أي أرقام.
ووقال" إن المجلس التشريعي ليس له أي صلاحيات اتجاه القوى والفصائل العاملة في الساحة الفلسطينية ومراقبة المساعدات الإنسانية التي وصلت لها، فالتنظيمات فوق منظمة السلطة، باعتبار أن الجهة التي تراقب على عملها مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية في حال كانت فاعلة".
ويتابع:"من الطبيعي أن المساعدات الإنسانية لم تصل للجميع، باعتبار أن ذلك أمرا طبيعيا لارتفاع نسبة الفقر والتي وصلت حوالي 80%، بالإضافة إلى العقوبات المفروضة على غزة وعدم تلقي موظفي السلطة لرواتبهم، فبالتالي الأولوية توزع على الأكثر فقراً"، من وجهة نظره. 
"مراسلة نوى"، التقت وكيل وزارة التنمية الاجتماعية الدكتور يوسف إبراهيم، لمحاولة التعرف على المعايير التي يتم بموجبها توزيع المساعدات على الأسر المعوزة، فقال: "إن معايير المساعدات المتبعة في الوزارة تتركز باعتماد الأسر الأكثر فقرا آخذين بعين الاعتبار عدد الأفراد، وألا يكون هناك مصدر دخل لها والتي ترأسها امرأة مع التركيز على الأسر الكبيرة وذات الاحتياجات الخاصة والأمراض المزمنة، خاصة الأسر التي تقدمت للوزارة وهي في مرحلة التدقيق أو ما يعرف بـ"قائمة الانتظار".
وذكر أن ما وصل مخازن الوزارة في غزة فقط مساعدات من اللجنة القطرية ومصر والمغرب، دون أن يوضح حجمها، منوها إلى أن الوزارة مسئولة عن ما يصلها من مساعدات فقط، أما ما يصل للفصائل أو المؤسسات الأخرى يعود لجهات رقابية تتابع عملها، وليس من اختصاص الوزارة. 
وأوضح إبراهيم أن التعاون والشراكة بين الوزارة والجمعيات الخيرية يقتصر فقط في حال طلبت الجمعية من الوزارة الكشف عن بعض بيانات الأسر واستحقاقها لتقديم المساعدة لها. 
الائتلاف من أجل النزاهة والشفافية "أمان" طالب بدوره، وزارة التنمية الاجتماعية بضرورة توحيد البوابة التي يتم من خلالها توزيع المساعدات الإنسانية للمواطنين وتكون عبر الوزارة فقط، لمنع الجدل عند المواطنين.
مدير المكتب الإقليمي للائتلاف "أمان" في غزة وائل بعلوشة، قال:"إن تعدد الجهات التي تقدم المساعدات الإنسانية للمواطنين خلال الأشهر الأخيرة أدت إلى إضعاف فعل المساءلة وعدم القدرة على المراقبة بشكل سليم على عملية تدفق المساعدات الواردة للقطاع". 
وأضاف بعلوشة أن ما نشهده في القطاع، هناك جهات أخرى يصلها مساعدات كبعض المؤسسات والأحزاب ويتم توزيعها على المواطنين بناء على معايير خاصة فيها وهذا يخلق حالة من البلبلة ويفتح المجال للتأويل عند المواطنين.
وأشار إلى أن ما نراه حاليا ازدواجية في عملية توزيع المساعدات وعدم وجود قاعدة بيانات موحدة للمواطنين المستفيدين من هذه المساعدات وذلك لتفادي تكرار الأسماء. 
بالعودة إلى وكيل وزارة التنمية الاجتماعية يؤكد أنه من المفترض وجود قاعدة بيانات موحدة ومشتركة مع الجمعيات الخيرية العاملة في القطاع، لكن لا يمكن فرض ذلك على الجمعيات، لأن لكل جمعية شخصيتها الاعتبارية وترخيصها.
ولفت إبراهيم إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون لدي الوزارة علم بكل المساعدات الإنسانية التي وصلت القطاع، لأن كل الجهات التي تعمل في توزيع المساعدات مرخصة، لافتا إلى عدم ممانعة الوزارة أن تقوم أي جمعية باستجلاب أي نوع من المساعدات.
وبالعودة إلى بعلوشة، فقد أشار إلى وجود دليل المبادئ التوجيهية لمنع ممارسة الفساد في توزيع المساعدات الإنسانية، والذي بدوره يطرح آلية نزاهة عملية توزيع المساعدات وشفافيتها وقابليتها للمساءلة والمعايير المطلوب توفرها في موزعي هذه المساعدات والمؤسسات التي تشرف على عملية التوزيع، بالإضافة إلى قنوات شكاوى واضحة ومحددة للإبلاغ عن شبهات الفساد الممكن وقوعها أثناء عملية توزيع المساعدات.
وهنا يتبين أنه لا يتوفر معايير حقيقية واضحة يمكن البناء عليها في عملية التوزيع، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام التشكيك في مصداقية الأطراف القائمة على توزيع المساعدات الإغاثية التي تتلقاها الجهات المختلفة سواء الرسمية أو الأهلية، ويفاقم من معاناة الأسر الفقيرة والمعوزة.

لنــا كلـــمة