شبكة نوى
اليوم الاحد 22 يوليو 2018م08:20 بتوقيت القدس

لماذا نخسر في كأس العالم؟

02 يونيو 2018 - 06:00
عبد الغني سلامة
شبكة نوى:

في كل دورة مونديال يشارك فريق عربي واحد على الأقل، (في هذه الدورة شاركت أربعة منتخبات عربية)، ومن النادر جداً أن ينتقل أي فريق عربي لدوري الـ16، أو الثمانية! بل إن أداء الفرق العربية عموماً يكون مخيباً للآمال، ودون المستوى المطلوب. 
ورغم التشجيع الشعبي الكبير، والاهتمام البالغ بمتابعة المباريات، إلا أن الجماهير تصاب بخيبة الأمل، والإحباط، وتنقم على منتخباتها ومدربيها، ولاعبيها، وعلى كل القائمين على الرياضة. 
وطبعاً، نفس الأمر يتكرر في بطولات الألعاب الأولمبية، حيث من النادر جداً أن يفوز أي لاعب عربي بميدالية ذهبية، وغالباً تأتي الفرق العربية بنتائج في أسفل السلم! 
هل هذه مجرد مصادفات سيئة؟ أم هي نتاج حتمي لواقع الحال؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟
قبل أن نضع اللوم على الأنظمة، والجهات الرسمية، لنلقي نظرة سريعة على تعليقات الناس العاديين، والتي تعكس طبيعة تفكيرهم، ونظرتهم للرياضة؛ مثلاً "العرب ليسوا بارعين في أي شيء، لا في الصناعة، ولا في الاختراعات، ولا حتى في الرياضة"، وهنا الاعتقاد بأن الرياضة مجرد لعب، وشيء سهل.. ومن هنا يأتي الاستغراب والاستهجان لنتائج الفرق العربية! 
في سنوات الطفولة، أذكر أن أهالينا كانوا يحاولون منعنا من اللعب، طبعاً بنيّة دفعنا للاهتمام أكثر بالدراسة.. وكانوا يعتبرون الرياضة نوعاً من "الهمالة"، أو التسيب.. وأظن أن نفس النظرة السلبية للرياضة ما زالت موجودة، وإن بدرجة أقل.. لا نلوم الأهالي على ذلك؛ فهم قلقون على مستقبل أبنائهم.. والرياضة بحاجة إلى تفرّغ.. ولا أحد يضمن مستقبل أي لاعب يقرر الاحتراف. 
في المدرسة، حصة الرياضة في أحسن الأحوال مجرد لعب، وفترة تسلية.. وفي أغلب الأحيان، لا يحصل الطلبة على حصة الرياضة، التي يبقيها المدير احتياطاً لأي أستاذ "ملحوق" بالمادة، فأسهل شيء على الإدارة إلغاء حصة الرياضة (والفن)، لأن الرياضة والفن في نظرهم ترف زائد، ومضيعة للوقت، ولا ترقى لأهمية حصص العلوم والعربي. 
حتى لو توفر أستاذ رياضة مخلص، ونشيط، ومهتم باكتشاف مواهب الطلبة الرياضية، فربما يجد الملاعب غير مؤهلة، وأدوات الرياضة غير متوفرة، ولا يجد دعماً لا من الإدارة، ولا من الأهالي.. فيُصاب بالإحباط.. أو يخرج بنتائج متواضعة.. 
هل واقع النوادي أفضل؟ لا أظن ذلك.
ومعلوم أن فترة المدرسة هي فترة اكتشاف وتطوير المواهب، حيث يكون الطلبة في ذروة نشاطهم البدني، فإذا انقضت دون اكتشاف تلك المواهب.. فمن أين، وكيف لنا أن نتوقع نتائج مشرفة في البطولات العالمية؟! 
المسألة مرتبطة بثقافة المجتمع، ونظرته للرياضة، ومستوى اهتمامه بها.. وهذا يؤدي تلقائياً إلى اهتمام المدرسة (وكذلك الأهل) بشكل جدي بالرياضة، ومن ثم اهتمام النوادي، والمستوى الرسمي.. بل دخول قوى المجتمع المدني على الخط، حيث تقدم كل جهة الدعم من ناحيتها.. بما في ذلك القطاع الخاص والمستثمرون، الذي سيجدون في الرياضة بيئة جاذبة وواعدة للاستثمار الناجح.. وهذا لا يحصل للأسف في مجتمعاتنا.. إلا في أضيق نطاق.  
الرياضة ليست مجرد لعب، هي أيضاً صناعة واقتصاد.. بل إن اقتصاد الرياضة بات محركاً مهماً للاقتصاد الوطني في كثير من دول العالم؛ فحسب مجلة "فوربس" الشهيرة؛ فإن حجم سوق الرياضة العالمي يفوق الدخل القومي لـ 130 بلداً؛ مثلا، في البرازيل يساوي دخل كرة القدم ما نسبته 5% من إجمالي الدخل القومي، في إسبانيا 9.4%، وتقدر أرباح الدوري الإسباني بنحو 150 مليار يورو. 
في الصين بلغ حجم صناعة الرياضة 294 مليار دولار في 2016، محققة قيمة مضافة للاقتصاد الصيني تقدر بنحو 100 مليار دولار. 
وحسب التقديرات سيبلغ حجم صناعة الرياضة الصينية العام 2025، نحو 774 مليار دولار. كم يبلغ حجم الإنفاق العربي على الرياضة؟!
الرياضة تقوم على مرتكزين: الموهبة، والدعم.. في بلداننا العربية المواهب مدفونة، ولا تبرز إلا تلك المواهب التي تخرج للأندية العالمية.. هل سيكون محمد صلاح بنفس مستوى الشهرة والنجومية والنجاح لو بقي لاعباً في الأندية المصرية؟ كم "محمد صلاح" في بلداننا ولا نعرفهم؟ 
لا يقتصر الغياب العربي على بطولات كأس العالم، ولا على الألعاب الأولمبية.. هم غائبون أيضاً عن مهرجانات السينما العالمية، وعن المهرجانات الفنية والموسيقية، وعن المسرح، وعن الرواية، والإنتاج الأدبي، فضلاً عن غيابهم المدوي في حقول البحث العلمي والاختراعات، والصناعة.. الحضارة كلٌ متكامل؛ عناصر تشد بعضها، وتقيم منظومة شاملة من القيم، والمعارف، والسلوكيات، والثقافة، وأنماط الاستهلاك، وأدوات الإنتاج.. والرياضة مكون أساسي من الحضارة، كما هي الفنون والآداب والعلوم.. وعندما تغيب تلك العناصر، أو معظمها، لا يحق لنا أن نستغرب من ضعف الفرق العربية، وخروجها المبكر من البطولات.. 
مشكلة المجتمعات العربية في القوى التقليدية المحافظة التي تشدها للماضي، وتمنعها من الانطلاق نحو المستقبل.. التي ما زالت تصر حتى الآن على منع العرب من الاندماج في المنظومة العالمية.. حيث إنها ما زالت تنظر بتوجس وشك وريبة، بل وبعداء أحياناً لكل ما هو غربي.. الغرب في نظرهم كافر، متآمر، معادٍ، منحط، بلا أخلاق، يتربص بنا، ولا يريد لنا إلا الشر... والغرب هنا يأتي تعبيراً عن كل ما هو غير عربي، أو غير إسلامي.. بما في ذلك الشعوب، والنخب، والتيارات الفكرية، والأحزاب، والقوى المجتمعية المختلفة، والمؤسسات، والمنظمات الدولية.. 
وتلك نظرة عنصرية، رجعية، ماضوية، انعزالية.. لا ترى في الآخر سوى العدو.. علماً أن الحضارة الغربية الحالية (بمعزل عن الأنظمة، والقوى الإمبريالية، وتاريخ الحروب والصراعات) هي نتاج الحضارات الإنسانية، التي ساهمت فيها كل شعوب العالم، بمن فيهم العرب والمسلمون.. وتلك الحضارة تتضمن الكثير من القيم الإنسانية، وما الرياضة والبطولات الرياضية إلا جزء منها، وعلينا قبل أن نحلم بانتزاع بطولات رياضية أن نبدأ فعلياً بالاندماج في المنظومة العالمية الإنسانية.. بعقلية منفتحة.. 
في كل دورة أولمبياد نشجع الفرق العربية بكل حماسة، ولكن بين الدورتين لا نفعل شيئاً حقيقياً لتمكينها من الفوز.. وما زلنا نتابع الرياضة بعقلية سياسية أيديولوجية، فإذا أردنا تشجيع منتخب ما، لا نقوم بذلك وفقاً لمعايير الرياضة نفسها، بل نبدأ بمحاكمة المنتخب وفقاً لماضي دولته، وتاريخها الاستعماري. 

لنــا كلـــمة