شبكة نوى
اليوم الاحد 22 يوليو 2018م08:22 بتوقيت القدس

أسطرة السياسة في إسرائيل…!

01 يونيو 2018 - 06:35
أكرم عطا الله
شبكة نوى:

تنقل الصحافة الإسرائيلية أن خلافاً سياسياً نشب في الكابينيت، بين أقطاب الحكومة الإسرائيلية من زعماء الائتلاف الحكومي وبين نتنياهو حول الخطة الأميركية التي أصبحت تعرف بصفقة القرن، إذ إن نتنياهو يريد تقديم بعض المرونة في مسألة المستوطنات العشوائية؛ من أجل الظهور وكأن إسرائيل تقدم تنازلات، وتسهّل على الرئيس الأميركي تمرير مشروعه، لكن أعضاء الكابينيت يرفضون أي تنازل حتى في هذه.
ليس المهم هنا فقط النقاش داخل الكابينيت، الذي يمثل حقيقة التيار القومي الديني، الذي أصبح التيار المركزي في الساحة الإسرائيلية، ولا حتى النقاش حول المستوطنات سواء عشوائية أو غيرها، لأن الأمر هنا لا يتعلق فقط بالحقوق الفلسطينية بقدر ما يتعلق بالقانون الدولي، الذي لا يميز بين المستوطنات التي أقيمت في مناطق 67، لكن المهم هو الفكر السياسي الإسرائيلي الذي يتجسد مع سيطرة التيار القومي على المؤسسة الإسرائيلية، وتحويل فكرة الأسطورة إلى واقع سياسي يمتلك من القوة ما يجعل لتلك الأسطورة أيادي وأقداماً وجرافات وطائرات شبح أيضاً.
من لا يعرف حقيقة اليمين في إسرائيل ربما لا يدرك حجم النقاش الذي يدور حين يتعلق الأمر بالضفة الغربية التي "دارت عليها أحداث التوراة"، فلا شيء في تاريخ الأسطورة 
موجود بالمنطقة الساحلية لفلسطين، بل إن جميعها في الداخل، وبالتالي فإننا أمام نقاش مختلف يتعلق بالدين الذي ينطلق مثل جميع الأديان من حقائق ليست قابلة للنقاش، وبالتالي لنا أن نتخيل اللغة التي يتحدث بها نفتالي بينيت أو أرييه درعي.
الأهم والأخطر في أسطرة السياسة أنها تضفي تعقيداً هو في الحقيقة كان متوقعاً مع دولة كان للميثولوجيا دور مهم في إقامتها، بل الدور الأهم لدى اثنين من آباء التأسيس العلمانيين، سواء ثيودور هرتسل "كأرض الميعاد" أو ديفيد بن غوريون الذي أعلنها "دولة لليهود"، فالسياسة هي وليدة الواقع كما يفترض وكما أحداث التاريخ، لكن الميثولوجيا تتعلق بخيال الأسطورة الجامح، وبين هذه وتلك مساحة ضوئية تنذر بإعادة الصراع إلى بداياته الأولى، والتيقن التام من فشل محاولات حله السابقة، بل وتحويله إلى صراع ديني عقائدي لا ينتهي إلا بانتهاء أحد أطرافه.
وتلك كانت واحدة من أبرز ملامح الصراع الذي ظهر كذلك منذ بداياته، فالفلسطينيون رفضوا تماماً أي حلّ وسط مبكراً، أما الإسرائيلي فكان يتصرف بما يتناسب مع أيديولوجية تطهيرية طردت بالقوة المسلحة كل ما هو غير يهودي، إيماناً منها بأن الرب أعطى وعداً بهذه الأرض.
إذاً يتصرف نفتالي بينيت وشركاؤه انطلاقاً من نصوص محددة لا تقبل التأويل، وأن يتحول ذلك إلى تيار الأغلبية في إسرائيل يعني أن الأمر يحتاج إلى قراءة مختلفة عن قراءات العقدين الماضيين وأن الاعتقاد بإمكانية التسوية وقراءة إسرائيل من زاوية المصالح والاقتصاد والعلاقات العامة والاستقرار الأمني والديموغرافيا، يبدو أنها لم تعد صالحة، أو كان ينقصها قدر من التركيز لاستشراف المستقبل، الذي كان يشير له تنامي الديموغرافيا باتجاه التيار القومي الديني وكتلته المتغيرة، التي بدأت تلقي بثقلها منذ ثمانينيات القرن الماضي بشكل متصاعد في مؤسسات التعليم وكان مثالها الأبرز، والتي كانت تعطي مؤشرات الصعود باتجاه هذا التيار، وتلك كانت مهمة للمهتمين بالمستقبل والدراسات الاستشرافية، وأكثر أهمية للفلسطيني الذي يخوض صراعاً مع إسرائيل.
في تصاعد كتلة اليمين القومي الديني وتحولها للتيار المركزي في إسرائيل، ربما ما يبشر الفلسطينيين بانحدار إسرائيل نحو التخلف والكف عن أن تكون دولة عالم أول، وهذا بدأت مؤشراته واضحة في السياسة والمجتمع، لكنها في المقابل تضعهم أمام حقيقة أنهم يقاتلون دولة تعيد الصراع ليأخذ طابعاً دينياً، وأن المطلوب هو إخراجهم تماماً من هذه الأرض.
الخلاف في الكابينيت على قضية الاستيطان ليس مهماً بدرجة كبيرة، ولكنه مؤشر خطير لمنطق التفكير في الدولة، وإذا كان نتنياهو الوريث الديني اليميني في إسرائيل يظهر الأكثر مرونة في نقاشات السياسة، لنا أن نتصور مستقبل الصراع الذي سيقوده فتيان "بينيت"، خاصة أن علم الآثار الإسرائيلي لم يصادف ما يؤكد تلك الروايات رغم كل الحفريات التي تمت.
لذا فإن صفقة القرن إن تم فرضها فتلك نهاية مأساوية للقضية، وإن لم يتم فرضها فتلك بداية الفصل الثاني المأساوية للصراع على هذه الأرض، وهو ما يجعل السؤال: "ماذا سيفعل الفلسطينيون؟" سؤال المنطق وسط هذا الخراب والتحلل الذي يسيرون تجاهه بأيديهم..!

لنــا كلـــمة