شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 14 أغسطس 2018م15:53 بتوقيت القدس

قصّة وصال الشيخ خليل .. عاشقة البحر والليمون

09 يوليو 2018 - 09:54
مرح الواديّة
شبكة نوى:

في ليلةٍ لن تنسى من ليالي شهر أيار / مايو، كانت تجلس أسرة فلسطينية على مائدة العشاء في منزلٍ متواضع، كانوا سبعة أفراد يعيشون معًا منذ 14 عامًا، لم يتوقّعوا أنها السهرة الأخيرة التي تجمعهم قبل أن يغيب "قمرهم"، قبل أن ترتكب إسرائيل جريمة انتزاع روح الأسرة، الطفلة وصال الشيخ خليل التي راحت تقول لهم "هذا آخر عشاء لي معكم" فأجابوها ضاحكين حذرين "مزحك بات ثقيلًا يا وصال".

كانت طفلة، تُحبّ الحياة وتتذمّر من الظروف المعيشية السيئة التي يعيشها قطاع غزّة بسبب الاحتلال الإسرائيلي، تمنّت أن تزور مدينة القدس المحتلّة ولو ليومٍ واحد إلا أن إسرائيل ترفض وبشكل قاطع السماح للفلسطينيين في القطاع مغادرته نحو أراضيهم المحتلة، بل تستثني أحيانًا دخول بعض الحالات الإنسانية والمرضى للعلاج بالخارج ضمن إجراءات الحصار المفروضة منذ 12 عامًا على مليوني إنسان يعيشون فيه.

يوم الرابع عشر من أيار / مايو للعام الجاري، استشهدت وصال الشيخ خليل في مجزرة العودة التي ارتكبها جنود الاحتلال بحق المتظاهرين السلميين على حدود قطاع غزة، ما أسفر عن استشهاد 62 فلسطينيًا بينهم وصال وجرح 3188 آخرين، بالرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع.

"ماذا سأحكي عن وصال لأحكي؟ هل أتحدث عن علاقتها في البحر؟ أم علاقتها مع الليمون؟ شيآن كانا يبّلان الظمأ في عروق ابنتي" كلمات جاءت على لسان ريم أبو عرمانة أم الشهيدة الطفلة.

تقول إنها كانت تعشق الليمون، تحب أكله مع الملح، ولا أحد سواها من الأسرة يفعل هذا. كانت تطلبه باستمرار كالفاكهة، وتظل تردّد "سنأكل ليمون السوافير قريبًا، يا ترى هل يكون طعمه لذيذ كليمون غزّة؟" تقصد ليمون بلدتها الأصلية "السوافير" حيث هجّر الاحتلال أجدادها منها، "ألم يكتفي الاحتلال من حرمانها الحياة وتحقيق أمنياتها البسيطة وعيش طفولتها، حرمنا الغالية وصال، يا ترى هل يشبع من التلذذ على قتلنا؟" تسأل أمّها.

وتحدّثنا عن حُبّ ابنتها للبحر وما بعد استشهادها "والبحر؟ يا ليتني أخذتها ولم أنتظر العيد، حتى أن العيد لن يأتي إلينا هذا العام، وصال راحت، لمن سيأتي؟ وصال راحت، من سينتظر البحر؟ كانت الأقرب لي من بين أبنائي، كانت دائمًا نافذة الصبر التي توعدني بأن الفرج قادم لا محال، لم أكن أدرك يومًا أن الفرج سيأتي بموتك يا وصال! الناس الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم أصبحوا يأتوا إلى منزلنا اليوم منهم للمساعدة ومنهم للوقوف معنا في محنتنا ومنهم من يريد أن يتعرف على حياتك قبل أن تغادرينا يا قمري".

أوقفت حديثها وصارت تغني لنا كلمات من قصيدة أهدتها لها وصال في عيدها قبيل استشهادها بفترة وجيزة، وأشارت إلى جدران المنزل "هذه مشغولات وصال لعيد الفطر السعيد في العام الماضي، وهذه لعيد الحُبّ، وهذه مشغولات أخرى عملتها للاحتفال بنجاحها وعلقتها، وأما إكليل الورد ذاك، كانت ستضع فيه صورها لكني سأفعل ذلك بيدي تخليدًا لطفلتي التي أصبحت ذكرى، صورة من المنزل وصورة من الحدود حيث روت الأرض بدمها فداءً لوطنها وحلمها بالعودة".

"يا ليت هذا الشباك يستطيع أن يتحدّث!" نبّهتنا إليه وأوضحت أنه كان يراقبها كل الوقت ومنه تراقب مكبّرات الصوت وتسمعها، ما أن تمر السيارات أو تنادي الجوامع ليوم العودة إلا وتفزع صوبه. "يا الله أريد الذهاب، أريد المشاركة، يجب علينا جميعًا فهي فرصتنا لمشاهدة أراضينا المحتلّة" بداية قصّتها ونهايتها حين زفّت المكبّرات خصيصًا خبر استشهاد وصال، حين نعتها وحين دعت النّاس السير في جنازتها.

غنّت لوالدتها قصيدة، تمايلت نحوها يمينًا ويسارًا، مشطّت شعرها وجدّلته. ارتدت قميصها الأسود غطّت شعرها وحملت حقيبتها، وراحت إلى قدرها الذي سطّره الاحتلال كعادته ضدّ أطفالنا وشبابنا ونساءنا ورجالنا ومسنيّنا، يقدّر لنا الموت، بينما يتابعنا العالم في مشاهد حيّة ويقلق. لا بأس، إسرائيل تقتلنا، نموت أمام شاشات التلفاز، وبارك الله في العالم الذي يقلق علينا ويسير في حياته الطبيعية وينسانا، ثمّ يعود ليتذكّرنا في مؤتمر ما أو مناسبة ما، يومًا ما.

"أطفأنا المنزل، أغلقنا الباب بإحكام، ذهبت أنا والبنات الثلاث والولدين، بقيت روح وصال في المكان تلوّح لنا بيديها وتتمايل.. غادرنا إلى منزل جديد ستّة أفراد بدلاً من سبعة هذه هي قصّتنا".

 

لنــا كلـــمة