شبكة نوى
اليوم السبت 23 يونيو 2018م14:08 بتوقيت القدس

«أحمد رِزق»: رُزِقَ مَحَبة الناس

03 يوليو 2018 - 07:54
ريما نزال
شبكة نوى:

بعضهم يرحل عَنّا ولا يرحل مِنّا، هذا ما ينطبق على الراحل: «أحمد رزق». 
بعضهم، حين تهجم علينا لحظة وداعهم، نلعن اللحظة ومراسيمها وطقوسها. هذا لا ينطبق على «أحمد رزق»، بل نقف لتحيته، لا نودعه. إنها مجرد طقوس ومراسيم اضطرارية، إعلان رسميّ عن قرار التواري، بالأحرى قرار الاعتكاف. قيل: إن الخيارات انعدمت أمام الرجل الشجاع، قاتل حتى النهاية، انتهى الأمر كما قال لأصدقائه، بادر إلى وداعهم برهافته المعهودة: «الحياة رحلة جميله أمضيناها معاً، فأكملوا». لقد فتك المرض الماكر بصاحبه. 
حين عَرّفني الشهيد خالد نزال على رفيقه المناضل «أحمد رزق»، أطلق عليه وصف: «عبد الكريم» نموذج دقيق للموصوف بالصديق وقت الضيق، المناضل الزاهد بالأضواء والألقاب، الرجل النبيل الهادئ، محطّ الثقة والاستقامة والنزاهة، قبل أن ينصحني الاستعانة به حين الحاجة أثناء سفر الشهيد إلى غير مكان. وكان أن استعنت به في أكثر من مرة. 
كان «عبد الكريم» لا يستطيع أن يؤدي مساعدته دون أن يسكب عليها بعض من خفة دمه، روح الدعابة أحد مكونات شخصيته الإنسانية المُنَوّعة، الثرية بكل معاني الأصالة والرفعة. كنا نشبه الإخوة الذين يُطلق عليهم اللفظ العامي الشائع «روسيّة»، تقارب وانسجام دون أن يخلو الأمر من ترتيب المقالب المضحكة لبعضهما البعض. 
يستحق «أحمد رزق، أبا ربيع» الحب الذي انطوى عليه وتكثف في المشهد الأخير ملفوفاً بالعلم الذي استشهدَ من أجله أكثر من مرة وبقي حياً. يستحق «أحمد رزق» الذي عرفناه أيضاً باسم «عبد الكريم» التكريم الذي حظي به، يستحق الحب والتقدير كأحد القديسين البسطاء المتقشفين الناكرين للذات، النقي كأول مرة. 
حضروا من كل مكان لأجله، حباً وطواعية. لم يتم جلبهم في حافلات مُجهَّزة، جاؤوا لشخصه، بلا بهرجة أو تصنُّع، جاؤوا للتعبير عن لحظة صادقة كثيفة التوتُّر، لحظة تغلبت فيها القصة على التفاصيل. حضر الجميع ممن عايشوه في الأماكن المختلفة، ربما أسمح لنفسي بالقول: إنّه الحنين للماضي البعيد المجبول بالكرامة والكبرياء والصفاء. أتى الجميع، من عرفوه مناضلاً في أغوار الأردن ونهره ومخاضاته، من عرفوه مقاوماً في شوارع الفاكهاني وصبرا وصور والدامور، من عرفوه في جهاز الدفاع المدني والشرطة، من جميع مناطق فلسطين، جئت بدوري لأسرد لزوجته الوفية بعضاً من المقالب التي أوقعني في شراكها. وقفنا جميعاً لراحة نفسه ولعائلته الجميلة.
الرجل المحبوب الهادئ، لم يشتر المحبة بالمال والجاه والنفوذ، فقير الجيب غني الروح. كل ما قام به أن نسج مع الناس علاقات إنسانية عادية تستند على البساطة والتلقائية والصدق. ترك معنا ذكرى حميمة، تتخذ من ملامح سيرته وجهاً ضاحكاً مبتسماً بذكاء، غاية بالبساطة والسحر يشبه أحد الوجوه المُركّبة «لأحمد الزعتر»، الفلسطيني العربي، النازح اللاجئ والمقيم، المنفي والمشرد والعائد، المقاتل البسيط الذي سعى للشهادة. 
أحب الناس فأحبوه. يستطيع كل فرد منا أن يُقسم بأغلظ الأيمان أنه كان الأقرب إلى روحه ويومياته. ذهب إلى الناس قوياً صادقاً يقدم ما لديه بحب وصدق، فأتوا لأظهار الوفاء ورؤية وجهه الضاحك حين يسخر من الموت، احتشدوا في محفل عابر للزمن الرديء، عابر للأعمار والمعتقدات والطبقات الاجتماعية. كلُّ ما قام به أن أطلق صافرة اللحن الأخير، فجاءت المشاعر بكامل أناقتها.
يا نبيلة رزق، أم ربيع: صعب عليك أن يذهب رفيق الدرب بلا رجوع، بما يجعل من كل شيء جامداً بطيئاً ونادراً. أطمئنك؛ سيبقى حاضراً بقوة في حياتك. لقد أعطاك قلبه وأعطيته عُمرك. ستبقين تتقاسمين معه الأفراح والأحزان. ستزاولين مهنة اجترار الذكريات، ذكريات وحكايات إنسان رحل عنك ولم يرحل منك. ستذكرينه بإحساس صادق حيث ترك لك كل ما هو رائع ونبيل.
يا نبيلة: حاولتِ البقاء معه حتى آخر العمر، بدأت معه ولكنك لن تنتهي بنهايته ودونه، رغم أنني شخصياً ليس لدي أي فكرة أو توقعات عن الخطط والمقالب المتروكة في أحد الزوايا. لا تجزعي؛ روح الدعابة باقية في البيت.

لنــا كلـــمة
صــــــــــورة
كاريكاتـــــير