شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 14 أغسطس 2018م19:57 بتوقيت القدس

مألات مسيرات العودة

10 مايو 2018 - 12:30
إسلام موسى
شبكة نوى:

يفترض أن أهم دوافع مسيرات العودة، التى بدأت يوم الجمعة في تاريخ 30/3/2018، هو المأساة التي يشهدها قطاع غزه نفسه؛ فهو محاصر من إسرائيل، منذ أكثر من  11 عام. ويعاني انقساما فلسطينيا حاد، والسكان يعانون من انقطاع الكهرباء وندرة الماء، والقليل جداً منهم بإمكانه مغادرة القطاع، فضلاً عن الهجمات العسكرية التي تدمر كل شيء في  قطاع غزة. ناهيك عن فشل مشروع المفاوضات السلمية، وحتى المقاومة المسلحة التى قادته حركة حماس.

إلا أنه لا الحصار، ولا البطالة، ولا الحروب، ولا حتى الحدود ومنع حرية الحركة، هو ما تبنته  مسيرة العودة في غزة كخطاب سياسي لها، بل رفعت شعار العودة. وعلى الرغم من أن الرسائل التي خرجت من هذه المسيرة كثيرة ومتعددة وجميعها دلت على بداية وعي تاريخي، ومسؤولية، إذ أن القيمة الجوهرية في المسيرة، أي العودة، هي الأساس الذي رفعته المسيرة وفكرتها فوق أزمة الانقسام الفلسطيني  والحصار، والمياه، والكهرباء، وارتقى هذا الحدث في البداية فوق كل الخطابات بشقيها: الأيديولوجي، والمناطقي.

ويبدو أن المسيرات حققت  جزء من ما أرادته اللجنة الوطنية العليا المنظمة لها، وهو أن تكون أنشطة وتحركات سلمية تبدأ بذكري يوم الأرض في 30 مارس حتي 15  للذكري السبيعين للنكبة الفلسطينية. وذلك بهدف تسليط الضوء على حق العودة وعلى ضرورة تطبيق الفقرة رقم 11 من القرار الأممي رقم 194.
لكن رغم أن المسيرات كانت سلمية ولم تستخدم الجماهير التى احتشدت بشكل كبير على الحدود أي أداة حادة أو سلاح، إلا أن الإحتلال أوقع 30 شهيد و3000 جريح فلسطيني، وهو ما أظهر عدم أخلاقية اسرائيلية واستخدام قوة مفرطة سادية تناقض كل مواثيق حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية، ناهيك عن حق الفلسطينيين بالمقاومة وهو الذي أقرته كل المواثيق الدولية .

 ولا يخفي السياسيون ومحللون أن"مسيرات العودة الكبرى" التي انطلقت من قطاع غزة قد فاجأت إسرائيل، كما فاجأت حسابات الفصائل الفلسطينية  أيضا التي شاركت في حشد الجماهير. وتزاحمت الصحف ووسائل الإعلام الفلسطينية  والإسرائيلية بالتحليلات التي تحاول فهم ما جرى في أيام الجمع على الحدود، وقراءة  ما يجب على المنظمين والفصائل الفلسطينية والسلطة الوطنية فعله لاستثمار هذا لخدمة المشروع الوطني.  وكذلك تدارست اسرائيل ما يجب عليها فعله قبل الوصول لذروة المسيرات في الذكرى السبعين للنكبة في 15/5/2018. فالمسيرات كشفت عن أهمية الحراك الشعبي السلمي كاستراتيجية لها  فعاليتها وحضورها وتأثيرها المحلي والدولي لنيل الحقوق، كما تؤكد الأحداث المتتابعة على أن العمود الفقري لاستمرار المسيرات الشعبية ونجاحها هو الالتزام بقواعد العمل السلمي، والنأي عن أي مظاهر العنف أو القوة لأنها تفقد المسيرة السلمية  عنصر قوتها وجوهر زخمها، والرهان على عدم أخلاقيات الإحتلال واسقاط كل ادعاءاته أمام العالم بالديمقراطية واحترام حقوق الانسان.

 

إسرائيل ومسيرة العودة

 

ما جعل من المسيرات السلمية من غزة استثنائية بالنسبة للمسيرات السلمية الأخرى، ليس المسيرة ذاتها، بل كيف ستتعامل اسرائيل مع هذه المسيرة في غزة، فهي لا تطور وسائل  لمكافحة التظاهرات الشعبية لمنطقة مثل غزة بعد أن خلقت الفصائل في القطاع نوع من الردع البري للآليات العسكرية الاسرائيلية في حال دخلت الى القطاع، من خلال الالغام ووسائل آخرى، وأصبحت غزة كحصن قادر على منع تغلغل جنود الاحتلال وسط المظاهرات التقليدية في أماكن يدخل فيها الاحتلال بسهولة مثل الضفة الغربية، ويستخدم أدوات اقل فتكاً لتفريق التظاهرات. هذه الحماية جعلت المسيرة تنطلق دون أن يقدر الاحتلال على ملاحقة الجماهير إلى النقطة التي يريدها لينفذ ما يُطلق عليه في الإعلام عادة (قوات الاحتلال تقمع)، ولهذا تحديدًا لا يُقال قوات الاحتلال قمعت النشاط في غزة، بل نفذت مجزرة في غزة.

وهنا تحديدًا أثبتت المسيرة أنها يمكن أن تبلور استراتيجية فلسطينية جديدة متفق عليها، وعلى أدواتها  النضالية يتزامن تطبيقها ويمتد الى كل المناطق الفلسطينية، وأن الإنقسام والأزمات الفلسطينية باختصار هو عدم التوافق على استراتيجيّة موحدة.

فاستمرار مسيرة العودة  قد يمس هدوء الضفة الغربية والمناطق العربية داخل اسرائيل، وتلتحق كافة المناطق بغزة، هذا التحول الإيجابي هو الكابوس الحقيقي لإسرائيل: ليست المقاومة السلمية وحدها، ولا الكفاح المسلح وحده، بل الاستراتيجيّة التي تجمع كلاهما في ظرف مختلفة ومكان محدد.

لذلك تابعت إسرائيل منذ اللحظة الأولى بقلق الاستعدادات الفلسطينية لمسيرات العودة الكبرى، واعتبر مراقبون أن إسرائيل تغالي كثيراً، إلى درجة التهويل، في التعبير عن القلق والخوف من مسيرة العودة، حتى قبل انطلاقها بأسابيع، بسبب عدم فهمهم معنى المسيرة التكتيكية وتداعياتها الاستراتيجية من وجهة نظر إسرائيلية، حيث بدأت إسرائيل، منذ أسابيع، بحملة إعلامية ضخمة، شاركت فيها كل الأجهزة الأمنية والسياسية والإعلامية، بالتحذير من المشاركة في المسيرة، عبر التهديد باتخاذ إجراءات قاسية، في حال انطلاق المسيرة ووصولها إلى الحدود.

فأكثر ما تخشاه إسرائيل أن تؤدي مسيرة العودة في قطاع غزة إلى إعادة تصويب المسار الوطني الفلسطيني، وتراجع حدة التناقضات والمناكفات الداخلية. لذلك عملت اسرائيل حملة تشويه للمسيرة وشيطنتها، عبر سفارات إسرائيل في العالم، بغرض إضعاف التضامن العالمي مع المسيرة، والحصول على غطاء دولي لقمعها، بادعاء أنها ستؤدي إلى حرب كبيرة، وأن حركة حماس تنوي استغلالها لإدخال خلايا مسلحة، للقيام بعمليات عسكرية لقتل وخطف إسرائيليين.

تميزت ردة الفعل الإسرائيلية على المسيرات بالمغالاة في استخدام القوة، فقد قدمت إسرائيل مطولا العلاقة مع قطاع غزة على إنها عسكرية، غير أن مسيرات العودة والحراك الشعبي السلمي قلبت المعادلة، وبدا المشهد مغايرا، حيث لم يجرح إسرائيلي واحد في المسيرات ،بينما قتل الجنود الإسرائيليين عشرات المتظاهرين السلميين بدم  بارد، ومن جانب آخر فقد ذكرت أحداث مسيرة العودة العالم بحقيقة وجود شعب تحت الاحتلال تم تشريده من أرضه وسلبه مقومات الحياة وهو الشعب الفلسطيني، مقابل وجود جيش محتل يستخدم القوة المفرطة ضد  المتظاهرين الفلسطينيين العزل.

إفشال اعلان الشراكة السرية بين إسرائيل  ودول عربية

يرى معلقون إسرائيليون بأن الفلسطينيين انتصروا  في معركة الوعي ومعركة الصورة ، فالصور التي التقطتها عدسات المصورين ونقلها للرأي العام الدولي وللإسرائيليين أنفسهم، وهي صورة عشرات الفلسطينيين العزل الذين سقطوا مضرجين بدمائهم، بعدما استهدفتهم نيران القناصة الإسرائيلية بالرصاص الحي، وصور عشرات الآلاف  الفلسطينيين الذين تم طردهم من أرضهم، وحشرهم في غزة على هامش الحياة وتحت الحصار، يتظاهرون قرب السياج الفاصل مطالبين بحق العودة والحق في الحياة. وتدرك إسرائيل أن من شأن تلك الصورة أن تختزل (صورة الانتصار الفلسطيني) وأن تحيي من جديد قضية مصيرية شطبتها إسرائيل من أجندة الحل النهائي وهي ملف اللاجئين الفلسطينيين .

وهو ما قد يشكل ضربة قوية لمشروع التطبيع والتقارب الإسرائيلي مع دول عربية التي ما زالت مستمرة في هرولتها باتجاه التطبيع، طالما بقيت القضية الفلسطينية دون صدى. ولذلك تعمل إسرائيل، وبكل الوسائل، على عدم عودة القضية الفلسطينية إلى الحراك والاهتمام الدولي، ففي وقت كان رئيس أركان جيش الاحتلال، جادي أيزنكوت، يعطي تعليماته بإطلاق النار على المشاركين في المسيرة، كُشف عن عقد لقاء بين ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، مع رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات. ويعكس الاجتماع، أيا كان مكانه، المستوى المتقدم الذي وصلت فيه العلاقة بين السعودية وإسرائيل، حيث تخشى إسرائيل أنه، وبعد نجاح مسيرة العودة، وما تشكله من بداية لإعادة بناء الحركة الوطنية، وأن يشكل عائقا أمام استمرار حافز محاولات التطبيع بينهما.

كذلك الخوف والقلق الإسرائيلي الذي سيفشل حكومة نتنياهو اليمينية من الاستمرار في سياسة تخويف المجتمع اليهودي من الفلسطينيين، ومن إقناعه بعدم وجود شريك فلسطيني يستحق التفاوض معه. خصوصا اذا ما أفرز هذا الحراك قيادة شعبية واعية جديدة مدعومة برفد جماهير جاهز للتضحية، وتصدير رواية المظلومية للعالم الرافض للغة الدم. وهو ما يمكن أن يزيد من حملة التضامن الدولية للشعب الفلسطيني، في حال تصاعد المقاومة الشعبية السلمية، وحملات المقاطعة التي تتعرض لها إسرائيل في العالم.

إذا ما اخذنا بعين الاعتبار أن المجتمع الدولي أدان إطلاق جنود الاحتلال الإسرائيلي النار على حشود الفلسطينيين السلميين الذي يشاركون بمسيرات العودة . وأصدر الأمين العام الأممي أنطونيو غوتيريش ،بيانا طالب بتشكيل لجنة لإجراء تحقيق عادل وشفاف في أحداث مسيرة غزة، كذلك فعل الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى تأكيد حرية التعبير وحرية التجمع تعد من الحقوق الأساسية التي يجب احترامها للمتظاهرين السلميين في غزة. بدورها، قالت الناطقة باسم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان ليز ثروسيل: إن لجوء إسرائيل لاستخدام الأسلحة النارية، وما يؤديه ذلك إلى الموت، يشكل قتلاً عمداً، وهو انتهاك جسيم لاتفاقية جنيف الرابعة. وأشارت إلى العدد الكبير من الإصابات والوفيات في ضوء التصريحات المثيرة للقلق الصادرة عن السلطات الإسرائيلية في الأيام التي سبقت المسيرات، خاصة أن المؤشرات تؤكد أن القتلى والجرحى كانوا غير مسلحين، ولم يشكلوا تهديداً خطيراً على القوات الإسرائيلية التي كانت محمية جيدا، بل إن بعض الضحايا كانوا في حالة هروب بعيداً عن السياج الأمني.

 

السلطة الفلسطينية ومسيرات العودة

تدرك السلطة الوطنية بخبرتها الطويلة، أهمية مسيرات العودة  في تقوية موقفها وتدعيمه دولياً، وفي مواجهة تسريبات صفقة القرن، ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية ، أو تقزيمها على أحسن تقدير، وخاصة أن المسيرات جاءت وفق إطار الثورة الشعبية السلمية.

إلا أن لم السلطة الفلسطينية لم تتبنى  مسيرات العودة بشكل رسمي، بالرغم من مشاركة حركة فتح العمود الفقري للسلطة الفلسطينية، في فعاليات مسيرات العودة، والتي ترى  بضرورة توجيه فعاليات وتظاهرات المسيرة صوب فعل كفاحي مستدام، مع التركيز على سلمية التظاهرات للوصول إلى الأهداف الفلسطينية المشروعة، وهي الفلسفة التي نادى بها الرئيس أبو مازن منذ انتخابه والقيادة الفلسطينية لإيمانهما بالجدوى الكبرى التي تتحصل من وراء هذه المقاومة محليا ودوليا.

كما أدانت السلطة الفلسطينية القمع  الذي تعرض له المتظاهرين الفلسطينيين السلميين على أيد الجيش الإسرائيلي، وأعلنت الحداد العام في الضفة والقطاع على أرواح الفلسطينيين. الذين سقطوا قرب السياج الفاصل.

وطالبت السلطة الفلسطينية ،مجلس الأمن والأمم المتحدة والمجلس الدولي لحقوق الإنسان بتشكيل لجنة تحقيق دولية والعمل على فتح تحقيق جنائي ذي مصداقية ومحدد بإطار زمني لمساءلة إسرائيل عن الجرائم التي ترتكبها في مسيرات العودة السلمية، كما طالب بحماية دولية لتلك المسيرات.

 

وعلى الرغم من ذلك الا أن انطلاق مسيرات العودة لم تحل في النهاية دون أن تظهر السلطة مخاوفها من استثمار حركة حماس لمسيرة العودة للتهرب من استحقاقات المصالحة، ومطالبة الرئيس للحركة بالتمكين الكامل، وارسال اشارة الى العالم بوجود حماس وأنها قادرة على توجيه دفة الشارع الفلسطينيين، فبدل أن ينفجر في وجه حركة حماس كما كان يعتقد الجميع، يمكن أن ينفجر في وجه إسرائيل. على أثر هذا الفهم للسلطة بعد تصريحات عضو المكتب السياسي لحركة حماس صلاح  لبردويل، بأن "مصطلح (المصالحة الفلسطينية) فُهمَ خطأ، فهمت على أنها تسليم من جهة إلى جهة وفق مصطلح ما يسمى بـ التمكين".

 وهو ما اعتبرته السلطة رداً على طلب الرئيس عباس بتمكين الحكومة في قطاع غزة، وهددت بزيادة العقوبات، هذه التصريحات جعلت مبعوث الولايات المتحدة يرسل رسالة عبر توتير لحركة حماس بالمساعدة في حل أزمات غزة الانسانية مقابل نبذ العنف، والتخلص من السلاح، في هذا السياق قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ا أحمد مجدلاني إن "حركة حماس تسعى من وراء استخدام مسيرة في قطاع غزة بالانفصال"

هذه التطورات واستمرار تصعيد لغة الانقسام، والإجراءات ضد قطاع غزة كعدم دفع رواتب موظفي السلطة في قطاع غزة، حتما ستفضي إلى انهيار الأوضاع الاقتصادية في القطاع وتنذر بتداعيات سياسية وأمنية بعيدة المدى. قد تتمثل: في تفجر احتجاجات جماهيرية ضد حركة حماس ومؤسسات حكمها، على اعتبار أن الرئيس عباس يعزو إجراءاته العقابية إلى رفض حركة حماس السماح بتمكين حكومة رامي الحمد لله من استعادة السيطرة على الوزارات والمرافق الحكومية في القطاع. ومن الواضح إنه اعتمادا على تصريحات قيادات حماس في أوقات سابقة، فأن أي تحرك جماهيري ضد الحركة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية سيدفع الحركة فورا نحو فتح مواجهة عسكرية شاملة مع إسرائيل. وقد أكد عدد من قيادات الحركة في السابق أنهم أبلغوا أطرافا دولية وإقليمية بأنهم لن يقبلوا أن تتحمل حماس تبعات الحصار الذي تفرضه إسرائيل ومصر والإجراءات العقابية ضد غزة، وأن الرد سيكون باستهداف إسرائيل.


أو تتمثل إلى تعاظم مستوى المشاركة الجماهيرية في حراك مسيرات العودة على الحدود بين إسرائيل والقطاع.

أو يذهب قطاع غزة الى الانفصال، بشكل انساني، بعد أن تتوقف خدمات السلطة الوطنية تجاهه، وقد تظهر جهة جديدة تحاول تعبئة الفراغ والتدخل الانساني اتجاه القطاع، وقد يتمثل هذا بتيار حركة فتح الاصلاحي الذي يمثله المفصول من الحركة محمد دحلان.

لكن المرجع أن مصر لن تقبل أن يكون في قطاع غزة سوى سلطة شرعية أمام العالم، وهو ما يعطيها دائما مساحة أكبر للعمل خصوصا وفي ظل تسريبات صفقة القرن، فالمطلوب حل يقبله ممثل شرعي عن الفلسطينيين، وليس حلاً قصريا بعد، صحيح أن العالم يعمل وفق المصالح، لكن ما زالت شرعيات الدول التي أقرتها المواثق الدولية قائمة.

حركة حماس ومسيرة العودة

تلقفت حركة حماس، الدعوات التي نادت بالزحف السلمي قرب الحدود، في ذكرى يوم الأرض والنكبة، من "اللجنة الوطنية العليا والتي تضم مؤسسات حقوقية ومنظمات مجتمع مدني وفصائل" والهدف لها هو تطبيق الفقرة رقم 11 من القرار الأممي رقم 194.

بعدما أدركت الحركة متأخرا أن الحراك الشعبي السلمي، أقل كلفة وخطرا، وألا كثر جاذبية وتأثيرا، والأقدر على الحصول على التعاطف والدعم الدولي من الخيار المسلح الذي تبنته  وكرسته.

 فقد عثرت حركة حماس أخيرا على الصيغة التي تخدمها في جميع الاتجاهات، فهي ابتكرت وضعا تقوم فيه غزة وشعبها بصب جام غضبها على إسرائيل، بعدما كانت تتحسب حركة حماس من أن ينفجر قطاع غزة الذي تديره في وجهها، على وقع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة تحت إدارتها، ونسبة البطالة العالية في صفوف العمال والخريجين، وتدني مستوى المعيشة ، وتلوث المياه...الخ

ولأن حركة حماس تدرك جيدا بأن الحياة والسياسة لا تعرف – الستاتيكو- فقد كانت في حاجة ماسة إلى حراك نشط، يعيدها إلى مربع صناعة الحدث الفلسطيني، والحيز الإعلامي، وفي نفس الوقت، لا تقوم بتوريط نفسها في حرب جديدة ، تعرف جيدا بأن لن يكون لها مثيل . إلى جانب أن المستويات السياسية الإسرائيلية تحرص مؤخرا على أنه لا يوجد لإسرائيل أهداف إستراتيجية يمكن أن تحققها في مواجهة مع حماس.

هذا الادراك، جعل حركة حماس، تسعي لاستثمار الحراك والاستحواذ عليه،  وذلك من خلال مؤشرات واضحة على ذلك، حيث أعلنت حركة حماس ان هناك 3000$ لكل شهيد  و300$ لكل مصاب في مسيرة العودة، وأضافت الى هدفه الأساسي فكرة (العودة)، مصطلح (فك الحصار)
وهو جزء من الفكرة الاساسية، اذا كان الهدف العودة وتسليط الضوء على القضايا الوطنية الكبيرة فلماذا قضية جزئية كفك الحصار؟ كان ذلك واضح من خطاب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية عندما رفع الستار عن لوحة كبير مرسوم عليها  مارثن لوثر ومنديلا وغاندي، ومكتوب عليها (مسيرة العودة وفك الحصار).

وهو ما  اعتبره عضوي اللجنة التحضيرية لمسيرة العودة أحمد أبو رتيمة وجميل عبد النبي: استثمار في غير موضعه وأنه لا يحق لأي جهة سياسية أن توظف قضيةً مقدسةً مثل العودة لنيل مكاسب جزئية حتى وإن كانت هذه المكاسب مشروعة. مسيرة العودة هي نضال وطني سلمي مستدام ومتراكم يهدف إلى العودة وليس لشيء سوى العودة بغض النظر إن تحققت هذه العودة بعد شهر أو بعد عشرة أعوام. وأن تضمر أهدافاً أخرى ثم تستغل اسم العودة فهذا تدليس على الناس. مسيرة العودة للعودة فقط ولا ضير أن تكون هناك مسيرات معلنة لأهداف أخرى. فالفصائل  تعجلت فكرة المسيرة، ولم تفعل ما يكفي لحماية أرواح الشباب، وانحرفت غاياتها بعيدا عن حق العودة، وأعلنا رفضنا لهذا السياق، وقلنا بوضوح أن على المتعجلين أن يفعلوا ما يكفي للوصول بالتكلفة إلى الصفر، أو يتراجعوا إلى مسافات ابعد، أو يؤجلوا العمل حتى نصل بشبابنا إلى ما نعنيه بمفهوم المقاومة السلمية. وحذرنا من اعتلاء الفصائل لفكرة الحراك الشعبي السلمي لعودة اللاجئين  ويبدو أن مناكفات الانقسام ستنتقل إلى ميدان العمل السلمي للعودة، وأن العودة ستستخدم لغير العودة.

 

تأثيرات اقليمية محتملة في حالة استمرت زخم الحراك

مسيرة العودة نسفت المسوغات التي تقدمها الحكومة الإسرائيلية لتبرير تقليلها من شأن الفلسطينيين ومقاومتهم وتصويرهم على أنهم يمثلون مشكلة هامشية، ودللت على أن القضية الفلسطينية هي شأن إسرائيلي داخلي، ولن تزول من تلقاء ذاتها  وعلى عدم صوابية الافتراض السائد في أنه بإمكان الإسرائيليين أن يعيشوا حياة طبيعية، في الوقت الذي تتدهور فيه الأوضاع في غزة.

مسيرة العودة والتي اعتبرت اسرائيل أن أعداد المتظاهرين في الجمعة الثانية (جمعة الكاوتشوك) كان أقل، وقد يتضاءل في الجمع التالية، خصوصا بعد تصاعد أصوات فلسطينية كثيرة تعترض  على محاولات استثمار حركة حماس للحراك، وهو يمكن أن يؤثر سلبا على التجمعات السلمية على الحدود.

 لكن في حال استمرت الحراك بقوة قد يمثل بداية العصف بالمنطلقات الرئيسية التي تحكم توجهات حكومات المنطقة اتجاه قطاع غزة، والقضية الفلسطينية ككل.

المسيرة يمكن أن تفضي إلى انفجار الأوضاع الأمنية في غزة بشكل غير مسبوق، على الرغم من أنّ كلاً من حركة حماس وإسرائيل، غير معنيتين بمواجهة شاملة فالحذر الذي تبديه كل من إسرائيل وحماس، لن يمنع من خروج الأوضاع عن إطار السيطرة، بسبب محدودية تأثيرهما على المشهدـ خصوصا وأنه لايوجد بالأفق تصور لحل مشكلة القطاع بشكل أساسي. وقد أثّرت مسيرة العودة على اتجاهات الجدل الداخلي في إسرائيل، وأعادت ترسيم الاستقطاب الحزبي والإيديولوجي إزاء المسألة الفلسطينية. وقد دل السجال بين الفرقاء السياسيين والمعلقين في دولة الاحتلال بشأن أنماط التعاطي مع مسيرة العودة، على أن استراتيجية حكومة نتنياهو في التعامل مع المسيرة تتسم بحالة من انعدام اليقين، وهذا ما عبر عنه حتى  بعض اليمين الأكثر التصاقاً بالمؤسسة الحاكمة.

وللمرة الأولى منذ انتهاء حرب 2014، شعرت إسرائيل بمظاهر تراجع مكانتها الدولية بسبب تعاظم الانتقادات التي وجهتها المحافل الدولية بسبب العدد الكبير من الشهداء والجرحى الذين سقطوا بنيران قوات الاحتلال أخيراً. وقد اضطر قادة الاحتلال بقدر كبير من النزق والتوتر والعصبية، لخوض سجالات مع المؤسسات الأممية التي طالبت بالتحقيق في سقوط الشهداء والجرحى الفلسطينيين على هذا النحو. لذلك إسرائيل مطالبة تقديم حلول سياسية وإنسانية للواقع  في غزة.

وكذلك مصر مطالبة بذلك حتي لا تتأثر مصالح  مصر  سلبا في قطاع غزة، في حال تواصلت مسيرة العودة وتمّ الحفاظ على وتيرة فعالياتها. فحتى انطلاق هذه المسيرة، كانت مصر قادرة على التأثير على القطاع، لا سيما من خلال تحكمها في معبر رفح، بوابة غزة الوحيدة للعالم، ومن خلال التوسط بين حركة حماس وإسرائيل بشأن التهدئة، وبحث فرص التوصّل لصفقة تبادل أسرى. ونظراً لأن مسيرة العودة، كنمط من المقاومة الشعبية، تشارك فيها الكثير من القوى السياسية والفعاليات الجماهيرية، التي تعدّ حماس جزءاً منها فقط، فإن قدرة مصر على الضغط على الحركة قد تصبح محدود للغاية.

في الوقت ذاته، فإن توجّه الفلسطينيين إلى الحدود مع اسرائيل يبعث رسالة واضحة بأن هذه الجماهير ستكون مستعدة للتوجه لكل الحدود التي يتم عبرها فرض الحصار على القطاع.

وكما سيمثل تواصل مسيرة العودة في حال انتقل الى مناطق فلسطينية مختلفة غير قطاع غزة تحدياً للقيادة الأردنية أيضاً، على اعتبار أنها ستجعل الفلسطينيين أقل استعداداً لقبول تجاهل نظام الحكم في عمان، المسؤول عن الإشراف على الأماكن المقدسة في القدس، للسياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إحداث تحوّل على الوضع القائم في المسجد الأقصى من خلال التوسع في السماح لغلاة المتطرفين من المستوطنين اليهود بمواصلة تدنيس المسجد. وقد يضطر الأردن لتغيير نمط سلوكه الحالي تجاه الممارسات الإسرائيلية، مما يحمل في طياته إمكانية الدفع نحو حدوث تدهور على العلاقة الاستراتيجية التي تربط تاريخياً إسرائيل بالنظام في عمان. قد يضطر الأردن لتغيير نمط سلوكه الحالي تجاه الممارسات الإسرائيلية.

 

لكن كل ذلك متربط  بالتوافق الفلسطيني، وان يستمر الحراك، بعد انتهاء الموعد  المحدد له، لا سيما وأن

الجهات التي دعت له قد حددت مسبقا سقفا زمنيا لنهايته. والمطلوب رفض أي محاولة لتوظيف هذه المسيرات  في تكريس الانقسام أو تبرير استمراره، فهذا الحراك حجة على منظومة الاحتلال. كذلك ضرورة وسرعة استجابة القيادة الفلسطينية لمطاليب غزة وأهلها، حتى يعزز صمودهم ويعطيهم القدرة على الاستمرار، وتوليد دينامية واقعية تضمن استمرار الفعالية بوتائر وأشكال تربك إسرائيل وتحيره، وتجمع بين عفوية وحيوية جيل من شباب  الأعزل الذي اكتوى وعيه وضاع مصيره وارتبكت طموحاته، وبين تحكم قيادة سياسية رشيدة لا تساوم ولا تستعجل النزول النتائج.

 

 

لنــا كلـــمة