شبكة نوى
اليوم الاثنين 16 يوليو 2018م12:29 بتوقيت القدس

مسيرة العودة الكبرى.. عندما هبّ الغزيون إلى الحدود

17 مايو 2018 - 08:45
مرح الواديّة
شبكة نوى:

في الثلاثين آذار / مارس من العام الجاري، كسر الفلسطينيون في قطاع غزّة نمطية إحياء المناسبات الوطنية،   الذكرى الـ42 ليوم الأرض نموذجًا. بدا الإعلان عن فعاليات حملت اسم "مسيرة العودة الكبرى" عاديًا في منتصف شباط / فبراير، عبر وقفات أمام الشاشات وتصريحات صحفية على ألسن المنظمين وهم لجنة وطنية عليا تضم قوى مدنية فلسطينية ومنظمات حقوقية وفصائل، وحملات إلكترونية تشرح ماهية الفعاليات وأهدافها التي تمثلت بالنضال من أجل تحقيق الهدف بعودة اللاجئين وفق قرار 149 والتصدي لقرار ترامب ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية خاصّة عربيًا، وحصار غزة الممتد منذ 12 عامًا، حيث انسداد الأفق أمام مليوني نسمة تحولوا إلى وقود أشعلته الحروب والحصار والفقر والبطالة والتضييق وحرمانهم من ممارسة أدنى حقوقهم البسيطة حتى في استخدام مياه تصلح للاستخدام الآدمي، في ظل محاولة إنعاشهم بأربع ساعات من الكهرباء يوميًا!

وكانت الهيئة قد أعلنت أن صلاة الجمعة الأولى ستكون في مخيمات العودة، سبقها دعوات من المساجد ومن الفصائل ومن الشباب والفتيات، الصغار والكبار ساهموا بدعم أنفسهم وبعضهم لم ينتظر، إذ بدأوا بالتوافد، كأنهم عائدين فعلًا، بكل قوة ووجه حق أخذوا يدعون أنفسهم للمشاركة في يوم العودة إلى أراضيهم المحتلة.

تدريجيًا، صار الناس يتفاعلون مع الحملة عبر وسمي #مسيرة_العودة و#مسيرة_العودة_الكبرى بشكل لافت، حتى أن بعض الشبّان راحوا يتطوعون للمساعدة في نصب الخيام والتحضيرات لاستقبال العائدين، والتقاط الصور ومقاطع الفيديو منها ثم نشرها أولًا بأول ما ساهم بالتفاعل.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد أقيم أول عرس فلسطيني في منطقة "أبو صفية" شرق جباليا للشاب علاء شاهين بزفّة جماعية في خيمة "نعليا" وهي قرية فلسطينية قضاء غزّة شرّد الاحتلال أهاليها في نكبة الـ48، بمشهدٍ مبهج، فالأطفال يرقصون والنسوة يزغردون، على وقع أغان شعبية وتراثية، تخللها فقرة دبكة من شبّان يعرفون العريس وآخرون لم يعرفوه، هكذا منذ ذلك الوقت صارت الزفات تتوالى لتكون نهج حياة المخيمات.

وامتدت خيام العودة في قطاع غزّة في خمس مناطق حدودية في قطاع غزّة وهي (1) شرق غزة "ملكة"، (2) شرق جباليا "أبو صفية"، (3) شرق الوسطى "مخيم البريج"،  (4)شرق رفح "حي النهضة"، (5) وشرق خانيونس "بلدة خزاعة".

"معبر رفح مقابل وقف المسيرة"

هذا ما ساومت عليه بلدان عربية انزعجت من مسيرات العودة واعتبرت أنها تشكّل ضغوطات عليها وتسبب لها الإحراج مع الاحتلال، وفقًا لما كشفته صحيفة "معاريف العبرية"؛ في الثامن من نيسان / أبريل عن وجود ضغوطات مصرية وسعودية على حركة حماس بغزة؛ لوقف مسيرات العودة على الحدود مع الاحتلال، حيث قالت إن هناك اتصالات مصرية مكثفة مع حركة حماس بغزة، بهدف اقناعها بوقف مسيرات العودة، مقابل فتح معبر رفح، وأن فتح المعبر، سيكون فقط مقابل وقف مسيرات العودة، وهو ما لم تؤكده حماس ولم تنفه أيضًا.

وعن استعدادات الاحتلال؛ كشفت القناة الثانية العبرية، أن الاحتلال الإسرائيلي طور طائرة مسيرة قاذفة لقنابل الغاز مجهزة بـ6 قنابل مسيلة للدموع، كما قال رئيس هيئة الأركان العامة لجيش الاحتلال إن الجيش نشر ما يزيد عن مئة قناص على الحدود مع غزة قبيل المسيرة تمهيدًا لقمعها، وللمرة الأولى، نشر الصهيوني "أفيغدور ليبرمان" تغريدة باللغة العربية عبر حسابه على "تويتر"، حذّر أهالي القطاع من مغبة المشاركة فيما أسماه "الاستفزاز" عبر الحدود.

 

"جمعة الأرض" الأولى (30 آذار 2018)

كان المشهد مريبًا، مرعبًا. لم أتخيله يومًا! المناطق الحدودية ذات سطوة. لا مجال لتلتقط أنفاسك من بين الحشود، بالكاد تجد مكانًا تطأ فيه قدميك الأرض وتمشي حيث تسير المسيرة بعشرات الآلاف من العائدين. حرفيًا "على الحدود هبّوا الغزاوية".

هنا خيمة "بربرة"، وهنا خيمة "المجدل"، وهناك قرأت اسم خيمة "عسقلان"، وخيمة "هربيا" التي أشعلت أمامها عائلة الحاج سليم العرابيد الحطب وأخذ يغلي القهوة ثمّ يتبادلها مع جيرانه في الخيام المجاورة، بطعام مطهو على الحطب أيضًا، لم أنس رائحة "ورق الغار" التي جابت الصغّار حولها.

تمثّلت فعاليات الجمعة الأولى بأغانٍ وطنية وأهازيج وفقرات للدبكة والدحية بأصوات تنادي بحق العودة وإعلاء صوت المقاومة الفلسطينية، ثم أداء صلاة الجمعة تبعها فقرات فنية شارك فيها الكثير من الأطفال ثم كلمات لممثلي المسيرة والقوى الوطنية والمخاتير، خلال ذلك اقترب آلاف الفلسطينيين إلى السياج الفاصل مع الاحتلال، بمسافة تراوحت ما بين الـ100 حتى الـ300 متر.

أخذت قوات الاحتلال تبادرهم بإطلاق الرصاص الحي عليهم مباشرة، غير أنها أمطرت السماء بقنابل الغاز المسيل للدموع، ما أدى إلى استشهاد 17 فلسطينيًا وإصابة ما يزيد عن 1500 آخرين.

"جمعة الكوشوك" الثانية (8 أبريل 2018)

لم يختلف المشهد يومها عن الجمعة الأولى لمسيرة العودة، إلا أنه كان موشح بالسّواد. سواد نسجه الشبان بأياديهم إثر حرق إطارات السيارات كأداة مستحدثة في مقاومة القنّاصة المتربصين بهم على الحدود لتشتيت أنظارهم. أذكر يومها صباحًا استيقظ الناس وراحوا يبحثون عن مجرى الريح، ويتساءلون عن مسار الدخان المتصاعد "يا ترى علينا ولا عليهم؟" وبالفعل، كان عليهم، أخذ السواد يجري نحو أراضينا الحدودية.

ولم يكن أمر جمع إطارات السيارات سهلًا بالمطلق، بل أن المتظاهرين جابوا القطاع كلّه بحثًا عن أكبر عدد ممكن، شاهدنا كثيرًا من المتطوعين يحملونها على "التكتوك" وآخرين بأياديهم مستقلين "الموتسكلات" ولم يوفروا أيضًا حملها على "الكارات" التي تجرها الدوابـ غير أنهم عملوا حملة تبرعات "شيكل واحد لشراء البنزين لهذه السيارة وذاك التكتوك لنقل الكوشوك" إلا أنهم حققوا ما خططوا له ومسار الريح كان حليف جيّد وساعدهم بالفعل على حجب الرؤية عنهم.

في نهاية ذلك اليوم، أعلنت المصادر الطبية عن ارتقاء عشرة شهداء وإصابة 1070 فلسطينيا خلال قمع الاحتلال للمسيرة، وكان بين الإصابات 293 إصابة بالرصاص الحي، وصفت إصابة 25 منها بالخطيرة، و 239 متوسطة و 156طفيفة، مشيراً إلى إصابة 48 طفلا.

"جمعة حرق العلم" الثالثة (13نيسان 2018)

يوم الثالث عشر من نيسان / أبريل رفع المتظاهرون أعلامًا فلسطينية كبيرة على ساريات مرتفعة في مخيمات العودة الخمسة التي أقيمت على الحدود، وأحرقوا عشرات الأعلام الإسرائيلية، بالإضافة إلى حرق صور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي اعتبروه متعاونًا مع الاحتلال.

في هذه الجمعة تحديدًا بدأت أعداد المشاركين بالتراجع تدريجيًا، إلا أنها ثبّتت بعض الفعاليات التي تقام بشكل يومي بين أيام الجمعة اللاحقة، حيث يتخللها الاحتفالات بعقد قران بعض الشبان وزفهم في مخيّمات العودة، وصنع ما لذّ وطاب من الأكلات الفلسطينية أبرزها "السماقية" والمقلوبة والمفتول وصنع المعجنات و"خبز الصاج" و"القُرصة" إذ تتعاون النساء مع الشباب حتى أن بعض العلاقات الاجتماعية عادت تلتحم في خيمة واحدة بعدما فكّك الانقسام روابطها، ونشأت علاقات جديدة بعضها توّج بالارتباط كما حدث شرق خانيونس بين مسعف ومسعفة تعرفا على بعضهما في مخيّم العودة هناك.

وتمكّن متظاهرون من قص جزء من السلك الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة وسحبه إلى الخيام شرق المدينة تحديدًا في موقع "ملكة".

وأعلنت المصادر الطبية في نهاية اليوم عن استشهاد شاب وإصابة 968 آخرين بجروح مختلفة بالرصاص واستنشاق الغاز.

"جمعة الشهداء والأسرى" الرابعة (20 نيسان 2018)

العشرون من نيسان / أبريل؛ حاول المشاركون في هذه الجمعة لفت أنظار العالم لمعاناة الفلسطينيين وإكرام الشهداء ولتسليط الضوء على معاناة الأسرى الذين يبلغ عددهم أكثر من 6500 أسير في سجون الاحتلال. كما نقلت الهيئة العليا للمسيرة مخيمات العودة خمسين مترًا إلى الأمام باتجاه السياج الفاصل، وذكر أن هذا الأمر يندرج في سياق الهدف النهائي لمسيرة العودة الكبرى التي من المنتظر أن تصل ذروتها منتصف أيار / مايو تاريخ ذكرى النكبة.

وأعلنت المصادر الطبية حصيلة الجمعة الرابعة استشهاد أربعة وإصابة أكثر من 729 بجراح مختلفة و استنشاق غاز.

"جمعة الشباب الثائر" الخامسة (27 نيسان 2018)

شهد يوم السابع والعشرين من نيسان / أبريل إطلاق وابل من الطائرات الورقية تحمل بذيلها علب المولوتوف، اعتمدها الشبان لاحقًا "أسلوب مقاومة" لفعاليتها في التسبب بحرائق داخل الأراضي المحتلة وبالتالي تكبيد الاحتلال خسائر مادية، كما قام المشاركون بإلصاق صور الشهداء والأسرى وكتابة أسماء مدنهم وقراهم على الطائرات الورقية التي هجرهم الاحتلال منها تأكيدًا على حقهم بالعودة حيث يعتبروا أن هذه هي المحاولة الأولى التي أوصلوا بها صورهم  ورسائلهم "خاوة" أي بالقوّة.

وذكرت وزارة الصحة يومها أنه استشهد ثلاثة فلسطينيين، أحدهم أصيب بجراح مباشرة بالرأس فلسطيني، فيما أصيب 611 فلسطينياً من بينهم 218 إصابة بالرصاص الحي.

"جمعة العمال" السادسة (4 مايو 2018)

حمل يوم الرابع من أيار / مايو اسم "جمعة العمال" لإيصال رسالة تقدير لهذه الشريحة التي كما قال المنظمون، واللافت في هذه الجمعة أن الشبان تمكنوا من إسقاط طائرة دون طيار أطلقها الاحتلال بهدف تصوير المتظاهرين شرق خانيونس، واستخدامها أيضًا كوسيلة في إلقاء قنابل الغاز صوبهم، كما استطاعوا العبور إلى السياج الفاصل في عدة نقاط ومناطق، والدخول إلى الأرض المحتلة، والاستيلاء على جهاز اتصالات خاص بجيش الاحتلال.

وأصيب يومها 431 فلسطينيا، من بينهم 22 إصابة بالرصاص الحي، فيما أصيب 20 متظاهراً بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، وتنوعت الإصابات الأخرى بين الاختناق والجروح.

"جمعة الإعداد والنذير" السابعة (11 مايو 2018)

"هدوء ما قبل العاصفة" هكذا يصفها النّاس. إنها الجمعة التمهيدية لاجتياز السلك الفاصل والدخول إلى الأراضي المحتلة، لم تكن تختلف عما سبقها إلا أنها يمكن أن تعتبر المتمم لمرحلة الهدوء؟ يتساءل العائدين. وفي الحقيقة أن هذا اليوم شهد تصاعدًا ملحوظًا لأعداد المشاركين بخلاف "الجمعات" السابقة.

وفي "جمعة النذير" استشهد فلسطيني وأصيب 730 آخرون بالرصاص الحي وقنابل الغاز خلال المواجهات التي اندلعت بين الشبان وقوات الاحتلال  في عدد من نقاط التماس شرق قطاع غزة.

رصاص متفجّر وغاز أعصاب

كشفت مسيرات العودة الكبرى عن أسلحة جديدة استخدمها الاحتلال في قمع المتظاهرين على الحدود أشهرها "الرصاص المتفجّر" و"غاز الأعصاب" وما أسهل لفظهما مقابل التعامل معهما. فحالات الجرحى التي وصلت إلى المستشفيات أثارت دهشة الأطباء الذين وجدوا صعوبة في التعامل معها، كونها تسبّب حروقا تصل إلى العظام، وتُحدِث نزيفاً نسيجياً، وتسمماً للأوردة، والشرايين، وتهتّكاً في الأنسجة، والعضلات، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إعاقات مستديمة. إلى جانب الغاز الذي يرمي المتظاهرين أرضًا ويغيبهم عن الوعي ويسبب تشنجات تستدعي نقل المصابين به إلى المستشفيات بدلًا من التعامل معهم ميدانيًا.

بحسب المصادر الطبية؛ تتركّز إصابات الرصاص الحي "المتفجّر" غالبًا في المناطق السفلية من الجسم بنسبة 80% من عدد المصابين، وأن ما نسبته 90% من الجرحى قد استهدفهم الاحتلال برصاص متفجّر بالمفاصل، كي يتسبب لهم بإعاقة متعمدة، خاصة أن هذا النوع من الرصاص خطير ولم يسبق استخدامه ضد المتظاهرين السلميين على الحدود ما يدلل على رغبة الجنود بضرب الشبان في مناطق مفصلية تحكم حركتهم وبالتالي الإحالة دون وصولهم إلى تلك المناطق مجددًا.

ومنذ ثلاثين آذار / مارس الماضي استشهد 111 فلسطينيًا وأصيب نحو 12 ألفًا آخرين، ولا زال ما يقدر بـ150 إصابة بحالة خطرة غير ارتفاع حالات البتر في الأطراف لما يزيد عن 20 حالة حتى نشر هذا التقرير.

لنــا كلـــمة
صــــــــــورة
كاريكاتـــــير