شبكة نوى
اليوم الجمعة 17 أغسطس 2018م11:46 بتوقيت القدس

ملابسات تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية

30 إبريل 2018 - 06:56
عبد الغني سلامة
شبكة نوى:

تلتئم اليوم في رام الله، الدورة الثالثة والعشرون للمجلس الوطني الفلسطيني، وهي مناسبة أحببت أن أستذكر من خلالها ملابسات وظروف تأسيس المنظمة، وانعقاد أول دورة للمجلس قبل 54 عاما في القدس، كما يرويها مؤسس المنظمة المرحوم أحمد الشقيري، في كتبه: "من القمة إلى الهزيمة"، و"على طريق الهزيمة" و"حوار وأسرار مع الملوك والرؤساء"، والذي صاغ فيها بأسلوبه الشيق قصة تأسيس منظمة التحرير. 
ولأنه من الصعب اختصار تلك الكتب، وسرد القصة بحذافيرها في مقالة، سأكتفي ببعض اللقطات والمقتطفات.
تبدأ القصة سنة 1963، ببرقية من الرئيس الراحل عبد الناصر، يرشّح فيها الشقيري ليكون مندوب فلسطين في الجامعة العربية، بعد وفاة المرحوم أحمد حلمي، رئيس حكومة عموم فلسطين.. وقد كان الشقيري قبل ذلك مندوب سورية، ثم السعودية في الأمم المتحدة.
قبِل الشقيري بالتكليف، وكانت أول مهمة له تشكيل وفد يتحدث باسم الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة، وكما هو متوقع، واجه صعوبات كثيرة في تشكيله، ليس فقط من قبل الحكومات العربية، التي نظرت بريبة وتوجس لفكرة إحياء الكيانية الفلسطينية، بل وأيضا من قبل تجمعات الشعب الفلسطيني في مختلف بقاع الأرض، والتي يريد فيها كل تجمع أن يكون له تمثيل في هذا الوفد، الذي سيضم 18 شخصية، منهم سيدتان.
في نهاية العام دعا عبد الناصر لعقد "القمة العربية الأولى" لبحث مسألة تحويل إسرائيل لمجرى نهر الأردن.. وبعد تذليل صعوبات موعد انعقاد المؤتمر (كانون الثاني 1964)، كانت المعضلة الكبرى في توحيد كلمة العرب؛ خاصة في تلك الظروف التي كانت تعصف فيها الخلافات بين الدول العربية: حرب بين المغرب والجزائر على الحدود، حرب سعودية مصرية في اليمن، حرب إذاعية بين دمشق والقاهرة، وبين القاهرة وعمّان، خلافات بين مصر والعراق بشأن الكويت، صراع بين المغرب وتونس بشأن الاعتراف بموريتانيا، انقلابات في سورية والعراق، ومشاريع انقلابات في الأردن بدعم من دول الجوار، إنزال أطلسي على شواطئ لبنان، تهاوي حلف بغداد، انفراط الوحدة بين الأردن والعراق، وبين مصر وسورية.. كان عبد الناصر في أوج زعامته، لكن المنطقة تموج بالأحداث والصراعات، والحرب الباردة بين المعسكرين الكبيرين على أشدها.
بالنسبة لترتيبات بروتوكول انعقاد القمة، كانت المشكلة في حضور الشقيري؛ أين يجلس؟ وبأي صيغة؟ هل يجلس بين الملوك والرؤساء، وهو ليس رئيسا، أم يجلس بالخلف؟ أخيرا اتفق المنظمون على أن يجلس على طرف المائدة، على كرسي عادي (ليس مزدوجا)، وعلى بعد خطوتين للخلف.. قبِل الشقيري بذلك، وهو يضمر شيئا بنفسه.
بدأت الوفود تحضر، وقد عكس الرئيس السوري أمين الحافظ عبوسه على الأجواء، إلى أن حضر بن بيلا وبورقيبة فلطفا الأجواء بدماثتهما، وما إن أعلن افتتاح الجلسة، حتى قدَّم الشقيري مقعده قليلا، وجلس كتفا إلى كتف بجوار الملك الحسن الثاني.. حملق رجال البروتوكول إلى مخالفة الشقيري، لكنهم لم يجرؤوا على الاعتراض.. وعلى حد تعبير الشقيري "تقدمت القضية الفلسطينية خطوة صغيرة في مسيرتها نحو إنشاء الكيانية الفلسطينية".  
حين تقدم الشقيري لإلقاء كلمته، طلب منه رئيس الجلسة عبد السلام عارف الاختصار، فاعترض قائلا: هذا مؤتمر من أجل فلسطين، وعليَّ أن أتكلم بإسهاب.. في كلمته طالب بإنشاء منظمة تمثل الشعب الفلسطيني، وبرلمان، وجيش، وسلاح، وتجنيد إجباري، وحرب عصابات، وصندوق مالي.. وفي مذكراته، يقول: كان وقع الكلمة عليهم كالصاعقة، وقد بدت المفاجأة على وجوههم، إذ اعتادوا المرور السريع على بند القضية، وتوقعوا أن المسألة مجرد خطاب إنشائي. 
في اليوم الثاني أعلنت رئاسة المؤتمر أن الجلسة ستقتصر على الملوك والرؤساء، فاحتج الشقيري عند عبد الناصر قائلا: إذا لم تحضر فلسطين، فمن يحضر! فقال له: إذهب إلى الملك حسين، وأقنعه.. وبالفعل، توجه الشقيري إلى العاهل الأردني، مبدداً مخاوفه بشأن الكيان الفلسطيني، مؤكداً له أنه لا ينوي سلخ الضفة الغربية عن المملكة، وبعدها طاف على جميع الرؤساء والملوك، ومعه موافقة الملك حسين على حضوره. وكانت المشكلة مع الملك سعود، الذي كان حينها قد أوكل كل صلاحياته إلى الأمير فيصل، والذي بدوره كان على خلاف مع الشقيري، على خلفية حرب اليمن. 
وعندما تعقدت الأمور، هدد الشقيري بالانسحاب، فقال الرئيس بن بيلا: "إذا انسحبت فلسطين تنسحب الجزائر".. وهكذا تمت الموافقة على مضض.
انتهى المؤتمر بقرار من سطرين: "يكلف الشقيري بمواصلة جهوده والاتصال مع الحكومات العربية والشعب الفلسطيني لغرض تمكين الشعب الفلسطيني من تنظيم دوره لاستعادة وطنه". ولم يكن حينها في جيب الشقيري شيء، حتى نفقات سفره.
يقول الشقيري: أول ما بدأت؛ رسم الكيان الفلسطيني على الورق، تخيُّل شكل المنظمة وهيكليتها، المجلس الوطني، صياغة الميثاق، تشكيل جيش التحرير، الصندوق القومي، مركز الأبحاث، الإذاعة، مكاتب للمنظمة في العواصم العربية... إقناع الحكومات العربية، الاتصال بجماهير الشعب الفلسطيني، والإجابة عن تساؤلاتهم الكثيرة.
بدأ خطوته الأولى في الأردن، عقَد 30 مؤتمرا شعبيا في المدن الأردنية والفلسطينية وفي المخيمات، لعرض الفكرة على الشعب، ثم انتقل إلى سورية التي منعته من عقد أي مؤتمر شعبي، وكذلك فعلت السعودية، أما في لبنان والكويت والبحرين وقطر والإمارات والعراق، فقد عقد عشرات اللقاءات الجماهيرية، والرسمية، وسط حضور شعبي كبير ومؤيد، سواء من الفلسطينيين، أم من الجماهير العربية.. 
لتبديد مخاوف الملك حسين، طلب الشقيري منه أن يصيغ بيان إعلان موافقة الأردن على تشكيل المنظمة، وبالفعل قام الملك بصياغة البيان، وقام الشقيري بإلقائه في الإذاعة الأردنية.
قدمت البحرين تبرعا بقيمة عشرة آلاف جنيه، وكان هذا ثاني مبلغ تتلقاه المنظمة، الأول كان من "حامد أبو ستة" بقيمة خمسين ألف دولار، ثم تبرعت قطر بمبلغ ثلاثين ألف جنيه، وقد أودعت المبالغ في البنك العربي.
في بغداد، دخل خمسة شبان من حزب التحرير غرفة الشقيري، ومعهم بيان مطبوع خلاصته أن تأسيس المنظمة كفر وإلحاد.. ولم يكن هؤلاء مشكلته الوحيدة، فقد شككت الأحزاب السياسية والجبهات الفلسطينية المختلفة بالمنظمة، وبجدوى تأسيسها، وعلاقتها بالجامعة العربية، وبعبد الناصر.. وكان الشقيري يمضي معهم ساعات طويلة من الجدال بلا طائل.. حركة فتح التي كانت في بداياتها اتخذت موقف الانتظار الإيجابي والتريث.. دون توجيه اتهامات.
بقية القصة في المقال القادم..