شبكة نوى
اليوم الجمعة 20 يوليو 2018م12:08 بتوقيت القدس

تحصين التخلف (1-2)

18 ديسمبر 2017 - 10:19
عبد الغني سلامة
شبكة نوى:

نحن العرب والمسلمين، متخلفون، بل وصَلْنا قاع التخلف، وصرنا أرذل الأمم، وبيننا وبين العالم فجوة حضارية رهيبة، وأي مقارنة بين أحوالنا وأحوال باقي الشعوب، في أي مجال، ستكون صادمة ومحبطة.. ومن يرى عكس ذلك، عليه ألا يكمل قراءة المقال. وهذه ليست دعوة لليأس، بل لمعرفة مكمن الخلل.
الحقيقة، أن تخلُّفنا ليس جديداً؛ بل نحن متخلفون منذ زمن قديم.. في مستهل القرن العشرين نبّه رواد النهضة العربية لحقيقة تخلفنا، وطرحوا السؤال: لماذا، وكيف تخلف العرب والمسلمون؟ وبدلاً من الإجابة عنه، وعوضاً عن البدء بمشروع النهضة، وبعد أكثر من قرن، لم نعد نطرح هذا السؤال! بل ترسخت لدينا قناعة بأننا خير الأمم، ولأننا مسلمون نحن أفضل من سائر الشعوب.. رغم أننا قطعنا خلال القرن الماضي أشواطاً إضافية نحو المزيد من التخلف!
يربط البعض سبب تخلفنا بالغزو الخارجي والاستعمار.. لكنَّ الصليبيين والتتار خرجوا من المنطقة العربية في القرن الثالث عشر الميلادي، ولم تتعرض البلاد لأي تهديد أو غزو خارجي من بعدهم، ولمدة خمسة قرون متواصلة، حتى مجيء نابليون أوائل القرن الثامن عشر.. فماذا أنجز العرب خلال هذه المدة؟ لا شيء.
صحيح أنَّ الاستعمار يتحمل نصيباً من المسؤولية، لكن، لنتذكر أنَّ شعوباً كثيرة تحررت من الاستعمار بنفس الفترة التي تحررت فيها الدول العربية، مثل: ماليزيا، سنغافورة، كوريا، الهند، الصين، ودول أخرى خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة ومهزومة، مثل: اليابان وألمانيا.. أين وصلت تلك الدول؟ وأين وصلنا نحن؟ اليابان مثلاً ما زالت مجبَرة على الاحتفاظ بقواعد أميركية، وتخضع لاشتراطات دولية، حتى أنها لا تستطيع تغيير بند في دستورها إلا بموافقة أميركا.. ومع ذلك، هل استطاعت أميركا منعها من التطور؟ كذلك ألمانيا!
ويوعز غيرهم السبب لعدم وجود دولة إسلامية، وإسقاط دولة الخلافة.. ولكن، هل كانت الأمة الإسلامية في عصر دولة الخلافة العثمانية متطورة ومتقدمة؟ أعطونا مظهراً واحداً من مظاهر هذا التقدم.. الحقيقة أن الإمبراطورية العثمانية طوال فترة حكمها ظلت مشغولة بالفتوحات والتوسع والحروب وتجهيز الجيوش وبناء القلاع.. وفي آخر قرنين من عمرها كانت تسمى الرجل المريض.. ولم تحقق أي منجز علمي، ولم تترك أي معلم حضاري حقيقي.. بل عزلت العرب عن العالم، وأخرجتهم من دائرة التأثير.. وعندما غادرت تركت وراءها حطام أمة.. ومن قبلها المماليك والعباسيون والأمويون.. كلها كانت أنظمة شمولية استبدادية وراثية.
ويقول آخرون: إن السبب ابتعادنا عن تعاليم الدين.. لكنَّ الحقيقة التاريخية أن العصر الذهبي للإسلام، وكل المنجزات الحضارية والعلمية تحققت قبل أن تتمكن المنظومة الفقهية من السيطرة على الحكم، والهيمنة على المجتمع، أي ما بين القرنين الثاني والرابع الهجري، بعد أن تمّ نقل التراث الإغريقي واللاتيني إلى العربية وهضمه بالتدريج، والتفاعل مع الحضارات الفارسية والهندية واليونانية.. وكل العلماء والشعراء الذين برزوا في تلك الفترة، كانوا متحررين من سطوة الفقهاء، بل إن الفقهاء ناصبوهم العداء، وكفروهم.
لا يعني هذا أن الدين كان سبباً للتخلف؛ وكما يقول "سيد القمني": "الدين في حد ذاته ليس طرفاً في الموضوع، وكما أنه لم يكن له دور في التخلف، لن يكون له دور في التقدم؛ فمتطلبات التقدم أو عوامل التخلف لا علاقة لها بأي دين.. الإسلام كدين في حد ذاته لم يكن عنصراً في إنجازات ابن سينا وابن رشد والرازي والفارابي وابن الهيثم وغيرهم، وليس سبباً في اختفاء العلماء من بلادنا من بعد تلك الكوكبة اليتيمة من العلماء".
ودليل على أن الدين ليس هو السبب، نرى دولاً إسلامية، مثل: سنغافورة، وماليزيا، وتركيا تقدمت وتطورت، ولكن بآليات لا علاقة لها بالدين نفسه، بينما بقية الدول الإسلامية ما زالت قابعة في قاع التخلف، وفي مؤخرة الأمم، ولكن ليس بسبب الإسلام أيضاً.. ما يؤكد أن المشكلة ليست في الدين. لكنها في كيفية فهم الدين والتعامل معه؛ فهناك من استثمره في التقدم، وهناك من استغله لتكريس التخلف.. هناك من وظف العناصر الإيجابية فيه، وهناك من جعله غطاءً لمقاصده السياسية.
وللإجابة عن سؤال سبب تخلف العرب والمسلمين، قال المفكر المغربي "أحمد عصيد": "إن أول وأهم سبب لتخلف العرب هو تنحيتهم العقلَ جانباً، والنظر إليه باعتباره قاصراً، ونسبياً، وعاجزاً.. ولأنه نسبي يجب أن يكون تابعاً للنص المقدس الذي هو مطلق، ولأنه قاصر ومحدود فليس له من دور سوى تفسير النص، والعمل على تطبيقه، والتقيد به.. أي حبس العقل في حيز النص، وجعل النص متقدماً على العقل ومرجعاً له، وضابطاً لحدوده.. وهكذا نصّب الفقهاء أنفسهم حراساً على النص، واحتكروا تفسيره وتأويله، وألغوا دور العقل النقدي والمعارض، ومنعوا أي تحليق له خارج فضاء النص.. الأمر الذي جعل العقل محدود القيمة ومحدود الجهد، وبالتالي لم يعد قادراً على المغامرة والاكتشاف والتفكير خارج الإطار الذي حدده رجال الدين.. وهكذا بدأت رحلة التخلف على المستويين العلمي والمعرفي".
بدأ هذا التحول وبشكل تدريجي منذ القرن الرابع الهجري، وتواصل إلى الآن، وخلال هذا الزمن الممتد على نحو ألف عام، جرى بناء أسوار عالية من الدوغما، أي أن ما جرى تكريس للتخلف، وحمايته من الاختراق!
العامل الثاني (حسب عصيد)، هو عدم اعترافنا بأننا متخلفون، والنظر باحتقار وفوقية لباقي الأمم، بوصفهم كفاراً، ومصيرهم النار.. فبينما كانت الشعوب الأخرى (الكافرة) تبني دولها على أسس علمية، وتصنع الحضارة الإنسانية، كنا نحن نزداد تخلفاً، وبدلاً من الانصهار في المنظومة الحضارية الإنسانية، ودخول عصر العولمة والحداثة، تقوقعنا على أنفسنا، ورفضنا الإندماج مع الشعوب المتحضرة، واعتبرنا أن مشروع الحداثة العالمي هو مشروع أجنبي استعماري، يجب معاداته.. ورفضنا كل ما أتى من الغرب (باستثناء المنتجات الاستهلاكية والأسلحة، التي استوردناها دون الفكر العلمي الذي أنتجها).
ويعدد "عصيد" أسباباً أخرى للتخلف، منها الإمبريالية، وقيام إسرائيل، ونشوء الأنظمة العربية الاستبدادية، وغياب الديمقراطية، وظهور حركات الإسلام السياسي، واستحكام منظومة القوى التقليدية المحافظة التي عرقلت التطور، بسبب عقليتها الماضوية السلفية..
وهذا ما سنناقشه في المقالة القادمة.

لنــا كلـــمة