شبكة نوى
اليوم الاحد 20 مايو 2018م23:14 بتوقيت القدس

الخروج من المسار الأميركي أولاً

12 ديسمبر 2017 - 10:34
مهند عبد الحميد
شبكة نوى:

قرار ترامب المشؤوم، الذي اعتمد رسمياً مدينة "القدس عاصمة لإسرائيل"، لم يأت من فراغ ولم يتعارض مع مسار الاحتكار الأميركي الحصري لما يسمى بـ"عملية السلام"، بل جاء كذروة دراماتيكية له. أعلن ترامب قراره كصدمة وقذف بقفاز التحدي في وجه جميع المستويات بدءاً بالنظام الدولي، مروراً بالنظام الإقليمي والعربي، وصولاً إلى النظام الفلسطيني. ليس هذا وحسب، بل تحدى ترامب أيضاً شعوب وهيئات ومعارضات وأنظمة معارضة. وبكل المقاييس، أصبحت المستويات الآنفة الذكر أمام حقيقة مفادها بأن ما بعد القرار المشؤوم ليس كما قبله. 
فالقواعد السياسية التي لازمت الاحتكار الأميركي ما قبل القرار، لم تعد صالحة للاستخدام ما بعد القرار، وذلك  بعد أن أزال ترامب كل الغموض غير البناء الذي كان يغطي تلك القواعد. وأوضح دون لبس، أن القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة واليونيسكو وأمنستي وغيرها من القرارات والمعاهدات الدولية وكذلك ميثاق الأمم المتحدة لا تنطبق على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولا على مدينة القدس، وقد أهال ترامب التراب فوقها باعتبارها غير ذي صلة. 
بإعلان مدوي، افترق ترامب عن تلك المنظومة القانونية، وعن الهيئات الدولية التي تعتبرها ناظماً لكل الصراعات، ذاهباً إلى استبدالها بمزاعم أيديولوجيا دينية تنزع عن الاحتلال صفته الاستعمارية والعنصرية، وتتعامل معه كأمر واقع طبيعي، وتدعو الجميع للاعتراف به وبنتائجه القائمة والمحتملة. لكن الهيئات الدولية لم تفترق عن ترامب وإدارته. اكتفت برفض قرار ترامب وبالدفاع الخجول عن الشرعية الدولية، وبقيت تتحدث عن ضرورة العودة إلى العملية السياسية التي أوصلها ترامب وحكومة نتنياهو إلى الحضيض. الموقف الأوروبي الذي تصرف "كظل باهت للولايات المتحدة" المحتكرة للعملية السياسية، ما قبل قرار ترامب لا توحي مواقفه داخل مجلس الأمن وخارجه بأنه قادر أو راغب في الافتراق عن ترامب بالانتصار للقانون والقرارات العديدة عبر مبادرة سياسية بديلة ومسار سياسي بديل للمسار الأميركي الذي بلغ نهايته المأساوية بالنسبة للشعب الفلسطيني. مبادرة تقطع مع حالة اللااستقرار وربما الانفجارات الشعبية، وتصاعد التوتر في عموم المنطقة. وروسيا التي فرضت حضورها في الصراع على سورية لا يبدو أنها معنية بالدخول إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتكتفي بمعارضة الموقف الأميركي نظرياً. الموقف ذاته ينطبق على الصين الشعبية التي ليس لها حضور سياسي يتناسب مع حضورها الاقتصادي. خلاصة الموقف الدولي معارضة ترامب وبقاء الرهان على المسار الأميركي، والخشية من التوتر وحالة اللااستقرار والانفجارات التي أحدثها ويحدثها قرار ترامب، دون مبادرة سياسية تعيد الثقة للشعوب العربية والإسلامية بجدوى عملية سياسية. 
وبإعلانه المدوي حول مدينة القدس، أفقد  ترامب الموقف العربي الرسمي المعلن، الذي عبرت عنه قرارات القمم العربية، لا سيما "مبادرة السلام العربية" أفقده كل معنى ومضمون وقدم نقيضه استباحة للحقوق الفلسطينية، كحصاد للانخراط العربي في "السلام الأميركي" الموعود. وأزال كل افتراض وتعليل بأن "اتفاقات كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو، قد أسست لإيجاد حل سياسي  للقضية الفلسطينية يقبل به الشعب الفلسطيني ومعه شعوب المنطقة، ولإقامة السلام الذي تقبل به الأجيال. على العكس من ذلك جاء قرار ترامب ليؤكد أن هدف أميركا وإسرائيل هو إخضاع شعوب المنطقة وفرض الهيمنة وعلاقات التبعية المهينة عليها وفرض ثنائية "أسياد وعبيد" و"منتصر ومهزوم". لقد وجّه ترامب والتحالف الأميركي الإسرائيلي طعنة نجلاء للمعتدلين والفكر الاعتدالي وجردهم من أي مبرر للاستمرار في سياساتهم التي جلبت المهانة والمذلة والهزائم بلا حدود. ووضعهم أمام خيارين، الأول: خيار الطلاق مع الاعتدال، الثاني: القبول بالإملاءات الإسرائيلية الأميركية المذلة والانتقال إلى معسكرهم المعادي للشعوب والتحرر. وقدم ترامب مكافأة تشجيعية للمتطرفين الإسرائيليين، وتشجيعاً للأصولية التكفيرية. وفي الجهة الأخرى سيعطي زخماً للمحور الإيراني، والتركي، في عموم دول المنطقة مع أن المحورين لا يملكان بدائل حقيقية، وجل ما يسعيان إليه هو استقطاب الشعوب العربية لموقفهما الرافض للسياسة الأميركية الإسرائيلية بغية تحسين نفوذهما الإقليمي، ليس إلا. 
رغم كل ذلك، جاء بيان وزراء الخارجية العرب، بصيغة تنديد واستنكار ومناشدة، وتأكيد المواقف العامة التي تصلح لكل زمان ومكان دون ضغط وإجراءات عملية لاحقة للمناشدة أو في حالة عدم استجابة ترامب للمناشدة. الاجتماع الوزاري العربي قدم آلية لاجتماعات واتصالات، لم تلجأ الدول العربية إلى استدعاء سفرائها أو إلى مطالبة السفراء الأميركيين بمغادرة العواصم العربية. مستوى الفعل العربي الرسمي يعزز ما قيل عن اتباع سياسة احتواء عربية للردود الشعبية المناهضة للموقف الأميركي، واستمرار التعويل على صفقة القرن، دون الاتعاظ من فصلها الأول الذي قدم مدينة القدس هدية لدولة الاحتلال الإسرائيلي. 
الحلقة الفلسطينية هي الأهم في عملية التغيير. وهذا يطرح سؤال مفاده: هل يبقى الموقف الرسمي الفلسطيني تحت سقف الموقف العربي الرسمي؟ في حالة البقاء لن يحدث التغيير وسيتحول قرار ترامب حول القدس تدريجياً إلى أمر واقع. أما التغيير فيتطلب الخروج الفلسطيني من المسار الأميركي كأول رد فلسطيني منطقي. الخروج من المسار الأميركي يتطلب الانسحاب من قواعده السياسية والأمنية والاقتصادية. فمن غير المنطقي زوال الهدف من الدخول في المسار الأميركي وبقاء قواعد هذا المسار فاعلة ومأخوذاً بها. لقد دمر ترامب الهدف عندما تبرع بعاصمة الدولة الموعودة، وشطب العاصمة القدس يعني شطب الدولة. وكل كلام ووعود جديدة غير ذلك، تعاند الواقع والمنطق والعقل. صفقة القرن ومسارها الأميركي شطبت الدولة الفلسطينية من طرف واحد، ولا مكان لفلسطين في هذا المسار إلا بالمعنى الاستخدامي والغطاء. إزاء ذلك،  يوجد مطلب فلسطيني واحد هو تراجع ترامب عن قراره  وصفقته الإقليمية، ووضع بند إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره على الأجندة الدولية والعربية. هذا المطلب لن يتحقق إلا بتطور الفعل الشعبي الفلسطيني والعربي والصديق ومن خلال الضغط على المصالح الأميركية والإسرائيلية. 
الانسحاب من المسار الأميركي ومن قواعده السياسية والأمنية والاقتصادية يطرح على بساط البحث الفلسطيني قضايا من الوزن الثقيل، كالاعتراف بإسرائيل من طرف واحد، والتنسيق الأمني من طرف واحد، والالتزام باتفاق أوسلو من طرف واحد، واتفاق باريس الاقتصادي البشع، وإعادة النظر بالدعم الأميركي للسلطة والمنظمات غير الحكومية. ويطرح إعادة النظر في البنية التنظيمية للسلطة والمنظمة وواقع التحول إلى نظام غير ديمقراطي. مهمات ومسؤوليات كبيرة، لكنها غير مستحيلة إذا ما ارتبطت بالمقاومة الشعبية المنظمة. 
[email protected]

التعليقات

 

لنــا كلـــمة
صــــــــــورة