شبكة نوى
اليوم الجمعة 17 أغسطس 2018م11:16 بتوقيت القدس

«حماس» والسنوار والهُوية الوطنية الفلسطينية

11 ديسمبر 2017 - 10:45
عبد الغني سلامة
شبكة نوى:

عُرفت فلسطين بهذا الاسم، وبحدودها الطبيعية منذ أقدم العصور، وقد عاش الشعب الفلسطيني فيها، ولم يغادرها قط (إلا بعد النكبة)؛ بيد أن فلسطين في فترة الحكم العثماني كانت جزءاً من بلاد الشام، ولم تكن معروفة بنفس حدودها السياسية كما هي الآن؛ ولم يكن للفلسطينيين شخصية سياسية مستقلة، ولا تمثيل سياسي، شأنهم شأن بقية شعوب البلدان العربية التي كانت تحت السيادة العثمانية، ولكن، ومع بدايات القرن العشرين، ولمواجهة المشروع الصهيوني؛ أخذت الحركة الوطنية الفلسطينية تتبلور، وتتبلور معها الشخصية السياسية الفلسطينية، بمعنى أن الهوية السياسية الفلسطينية جاءت ردا على المشروع الصهيوني، وتشكلت لغرض مواجهة خطر تصفية القضية الفلسطينية.  
ولم تلعب الأيديولوجيا الدينية دورا مهما في بلورة الهوية الفلسطينية، إذْ فهم الفلسطينيون الإسلام كدين سماوي بمعزل عن الطائفية والعمل الحزبي، وأخذوا منه الروح السمحة المنفتحة، وقسماته الروحية؛ وقد شكّل مكونا رئيسا من مكونات المجتمع الثقافية، ومنظومته القيمية، وكان لرجال الدين مكانة متقدمة في السلم الاجتماعي. 
أما الإسلام السياسي بالمعنى الحزبي فقد تأخر ظهوره في فلسطين إلى ما بعد النكبة؛ ففي فترة الانتداب البريطاني لم يظهر أي تعارض بين ما هو ديني وما هو وطني، ولم يطرح أحد تساؤلا عن دور الدين في المعركة الوطنية، وذلك بسبب خصوصية القضية الفلسطينية، وبحكم طبيعة الصراع القائم في فلسطين، وحيث لعبت الشخصيات الإسلامية (والمسيحية) دورا بارزا ومؤثرا في النضال الوطني، وتعاملوا مع  القضايا الوطنية في خطابهم وحراكهم السياسي دون أيديولوجية دينية، ثم إن الخطاب الفلسطيني بطبيعته عروبي وحدوي، ولا يفرق بين الديني والوطني. 
وكل من عمل في فلسطين آنذاك من أحزاب سياسية أو قوى شعبية (إسلاميون وغيرهم) كان يعمل ضمن مشروع مركزي وحيد، هو إنقاذها من الاحتلال الصهيوني، دون الالتفات إلى المسائل الأخرى. 
وقد لعب القادة الوطنيون أمثال الحاج أمين الحسيني، وعز الدين القسام، وعبد القادر الحسيني وغيرهم دورا مهما في إعاقة تطور أي خطاب سياسي إسلامي في فلسطين، لأنهم تمكّنوا من الجمع بين المعاني الروحية والوطنية في آن معاً، فدمجوا في شخصياتهم بين القيادتين السياسية والدينية، وجعلوا من الخطاب الديني عنصرا مكملا وداعما للخطاب الوطني، دون أن يطغى عليه، ووظفوا العاطفة الدينية للتعبئة الوطنية والنفير العام دون أن يستغلوا الدين لأغراض السلطة والسياسة. 
وربما كانت هذه أسباب تأخر ظهور الإخوان المسلمين على مسرح الفعل السياسي في فلسطين، بالرغم من العلاقة الطيبة التي كانت تجمعهم مع قيادات الإخوان في مصر.
بعد النكبة، أدركت الثورة الفلسطينية أهمية إبراز وترسيخ الهوية السياسية للشعب الفلسطيني، باعتبارها الأداة الأهم لمواجهة المشروع الصهيوني، فكان نضالها منصبا على ضرورة انتزاع اعتراف دولي بمنظمة التحرير كإطار مادي ومعنوي يجسد الهوية السياسية الفلسطينية، ويتحدث باسم الفلسطينيين، ويقود نضالهم وتمثيلهم في المحافل الدولية.. وقد شكل هذا الموضوع الفارق الرئيس والأهم بين المشروع الوطني الفلسطيني الذي مثلته منظمة التحرير وفصائلها الوطنية، وبين مشروع الإسلام السياسي الذي مثله الإخوان المسلمين، ثم حماس.
لذلك، اكتسبت فصائل منظمة التحرير (خاصة فتح) شعبيتها، ولأنها نحَّت الأيديولوجيا جانبا، استطاعت صهر تناقضات الشعب في البوتقة الوطنية، ولأنها اشتبكت مع العدو عسكريا وسياسيا، التفَّ الشعب من حولها، ودعمها.. أما الإسلام السياسي، فكان له شأن آخر.. 
قبل الانتفاضة الأولى كان تنظيم الإخوان هامشيا، ولا يحظى بأي شعبية، لأنه كان منشغلا بالموضوع الدعوي فقط، ولم ينخرط في فعاليات مقاومة الاحتلال، ولكن، بمجرد أن انطلقت حماس، وبدأت تنخرط في فعاليات ضد الاحتلال، حتى بدأت تكتسب الشرعية الشعبية، وأخذت شعبيتها تتنامى بتناسب طردي مع مدى انغماسها في المقاومة.. وفي الانتفاضة الثانية حصل تطور نوعي كبير في مقدار شعبيتها، لأنها بدأت تمارس أعمالا عسكرية، وتقدم تضحيات حقيقية، وتوقع قتلى في صفوف الاحتلال.. بمعنى أن معيار قبول الشعب بها، وتأييده لها، وانضمامه في صفوفها كان مقترنا بمدى جديتها في مقاومة الاحتلال.. وليس بخطابها الأيديولوجي.. لكن موضوع الهوية الوطنية ظل ثغرة قاتلة في مشروع حماس.
حماس، منذ انطلاقتها ميزت نفسها عن بقية القوى الوطنية، في أهدافها ومبررات وجودها، في الانتفاضة الأولى كان لها برنامجها النضالي المختلف عن برنامج القيادة الوطنية الموحدة، ولم تنضم إلى منظمة التحرير.. وحينما دخلت في مؤسسات السلطة، شكلت حكومة حمساوية بمفردها، ولم تحتمل أي شراكة مع الآخرين، إلى أن انفصلت في قطاع غزة، وحاولت على مدى 11 سنة أن تشكل إمارتها الخاصة بمعزل عن الكل الفلسطيني.
ظلت حماس، وبقدر كبير، تنظر لنفسها بوصفها جزءا من جماعة الإخوان، وتنفذ أجندة سياسية وأيديولوجية خاصة بمشروع الإسلام السياسي العالمي، الذي يتجاوز الأوطان والهوية الوطنية.. ولكنها (أي حماس) كانت تحمل في أحشائها تياراً يؤمن بالخصوصية الوطنية للقضية الفلسطينية، وكان هذا التيار يرى بضرورة أن تكيّف حماس نفسها لتعبر عن هذه الخصوصية، أي بمعنى أوضح.. مثّل الحرس القديم الذين أتوا من الإخوان مشروع الإسلام السياسي العالمي.. بينما انحاز الجيل الجديد (الذي انتمى لحماس بوصفها حركة وطنية مقاتلة) إلى مشروع توطين حماس، ودفعها إلى الحضن الوطني، لا إلى حضن الإخوان.. 
وعندما كانت قيادة حماس في الخارج، متناغمة مع قيادتها في الداخل (الحرس القديم) ظلت مصرّة على المضي قُدما بمشروع الانفصال.. لأن إمارة غزة كانت بالنسبة لهم مشروعا إخوانيا.. أما حين انتقلت قيادة حماس إلى الداخل، بانتخاب يحيى السنوار، لم تمض سوى أشهر قليلة حتى تمكن السنوار من فرض رؤيته بضرورة إنهاء الانقسام، ربما لأنه ينتمي للجيل الذي تعامل مع حماس بوصفها فلسطينية قبل أن تكون إخوانية.. ولأن غزة بمنظوره فلسطينية وليست إخوانية..
بكلمات مختصرة؛ كانت الهوية الوطنية الفلسطينية في الوعي الشعبي الفلسطيني، وحتى في العمل الحزبي والنضالي أقوى، وأكثر تجذرا وأصالة من كل الأيديولوجيات، بما فيها الدينية، وتمكنت من استيعاب كل التيارات الفكرية والحزبية في الساحة النضالية، ببساطة لأن القضية الفلسطينية قضية وطنية أساسا، وخصوصيتها الوطنية أهم وأقوى وأكثر تأثيرا ورسوخا من الأجندات والبرامج الأخرى.. 
هذه النقطة التي قامت على أساسها فتح، وأدركتها (نسبيا) حماس، ولكن بعد 30 سنة..