|
|
19/01/2018     00:36
فشل جنيف الثامن ... والأنظار إلى سوتشي
19/12/2017 [ 10:24 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عبير بشير

في الوقت الذي كان السوريون منشغلين بالحديث عن انتهاك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لسيادة سورية؛ بزيارته قاعدة حميم بدلاً من قصر المهاجرين في دمشق، ويتناقلون صورة الضابط الروسي الذي أمسك بذراع الرئيس السوري بشار الأسد لمنعه من اللحاق ببوتين. كان القيصر بوتين يحتفل بجولة خاطفة في الشرق الأوسط الجديد، قادته إلى ثلاث دول دفعة واحدة وثلاثة حلفاء: قاعدته العسكرية في سورية، حليفه الجديد في تركيا رجب أردوغان، والصديق الجديد في مصر الرئيس عبد الفتاح السيسي. بوتين الذي ينوي خلافة نفسه وجّه رسائل حية إلى ناخبيه الروس: انتصار عسكري واضح في سورية بعد القضاء على «داعش»، وانتصار دبلوماسي في نقل تركيا من المعسكر الغربي إلى معسكر موسكو، وانتصار آخر بعودة روسيا إلى مصر، وبهذا المستوى، للمرة الأولى منذ أن طرد الرئيس الراحل أنور السادات الخبراء السوفيات، حيث وقّع بوتين والسيسي في القاهرة اتفاقاً لبدء تنفيذ مشروع محطة للطاقة النووية في الضبعة -وكان الرئيسان وقّعا اتفاقاً في 2015 يقضي بقيام روسيا ببناء محطة للطاقة النووية في منطقة الضبعة، تبلغ تكلفتها 25 مليار دولار، تمول بقرض روسي، تبدأ مصر بتسديده بعد إنشاء المحطة وتشغيلها.
وفي سورية، وقف القيصر بوتين لأول مرة في القاعدة  العسكرية بمدينة اللاذقية، وبدا صاحب الأرض، ليقول للعالم أمام بشار الأسد – الذي بدوره بدا كضيف: إن الأمر لي، والمسرح السوري أنا الذي أتحكم بمساره، معلناً نيته سحب -قسم كبير- من قواته من سورية للعودة إلى الوطن، بالتزامن مع تأكيده ضرورة الانتقال إلى التسوية السياسية في سورية، في إطار فعل انتخابي ضروري، فبوتين يريد إخراج الورقة السورية خارج الحملة الانتخابية من موقع قوة.
ولم يسبق أن لعبت دولة على التناقضات ببراعة كما تلعب روسيا في سورية. فهي تقاتل من أجل بقاء الأسد كتابع لها من موقع رئيس، وتقاتل مع «حزب الله»، وفي نفس الوقت تفسح المجال للطائرات الإسرائيلية لتقصف مواقع «حزب الله»، وتنسق مع عمان لإشراكها في هدنة الجنوب السوري، وتقيم صلات قوية مع أنقرة، راعية «فصائل جهادية» في إدلب .... وغازلت موسكو كل الأطراف المنخرطين في الحرب. وأشركتهم في ترتيبات التهدئة وأتاحت لهم بناء شراكات عسكرية وسياسية واقتصادية في سورية، لكنها لا يمكن أن تسمح بوجود إستراتيجي يهددها لأي قوة أخرى. من هنا وصفها الوجود الأميركي بأنه احتلال ولا يحظى بشرعية من دمشق.
وجد القيصر بوتين في الساحة السورية الفرصة الماسية، للرد على الحرب التي خاضها الغرب تحت عنوان الأطلسي ضد المشروع الروسي؛ المشروع الذي تبناه بوتين وحوله إلى عقيدة سياسية ترتبط ثوابتها بمصالح الأمن القوي الروسي، والتي سميت الأوروآسيوية الجديدة،  فمن خلالها تمت إعادة إنتاج العقيدة القائمة تاريخياً على فكرة الإمبراطورية الروسية البرّية التي تهدف إلى الوصول للمياه الدافئة، وقد سعى بوتين، لكسر الصورة النمطية بأن روسيا تتخلى عن حلفائها في الأزمات، من خلال تفانيه في الدفاع عن حلفائه، وتعزيز حضوره الدولي، والتعامل ببراغماتية مع تناقضات المنطقة، ما جعلنا نعيش ما يمكننا تسميته «موسم الهجرة إلى روسيا»، حيث بدأ حلفاء واشنطن التقليديون بتيميم وجوههم نحو موسكو، باعتبارها العاصمة الدولية الأكثر انخراطاً في أزمات المنطقة، والأكثر تأثيراً بمجريات الأمور بها. 
في حين أن واشنطن أوباما وواشنطن ترامب بعدها، كانت تمارس دوراً انتقائياً محصوراً بضمان مصالحها فقط في الشرق الأوسط – وصل ذروته مع إعلان ترامب المارق بنقل السفارة الأميركية إلى القدس - فخضعت سورية رغم كونها تشكل نقطة قطع ووصل، لتقاطع مصالح بين واشنطن وموسكو، وهي سياسة يمكن تسميتها الترامبوتينية التي سمحت لموسكو بالإمساك بزمام المبادرة في سورية.
وتتخوف المعارضة السورية من تواطؤ الإدارة الأميركية مع التوجهات الروسية، بدليل صمتها عن مؤتمر سوتشي الذي تخطط موسكو له، مقابل تمثيلها الضعيف في جنيف الثامن.
وترى المعارضة السورية، أن الولايات المتحدة تكتفي حالياً، من حيث تقاسم المناطق السورية، بمنطقتين إستراتيجيتين بالنسبة لها في الشمال والشمال الشرقي حيث تحمي وجودها في سورية والعراق وتعزز من تأثيرها، وفِي الجنوب السوري، حيث قاعدتها في التنف لحراسة حدود إسرائيل.
فشل مفاوضات جنيف الأخيرة كان متوقعاً؛ نظراً للأجواء التي رافقت سيرها وحسابات الأطراف المشاركة فيها. وبعيداً عن تصريحات طرفي الأزمة، وهما النظام والمعارضة، فإن ما أدلى به دي ميستورا المبعوث الأممي إلى سورية، يشير إلى طبيعة التحديات التي تواجه مسار المفاوضات؛ لإعادة السلام المنشود في هذا البلد، الذي يعاني حرباً ضروسة منذ أكثر من ست سنوات، فالمبعوث الأممي يؤكد أن مباحثات جنيف الأخيرة لم تشهد مفاوضات حقيقية، فهو يرى أن النظام لم يرغب في الحوار، وأضاع فرصة حقيقية.
جوهر الخلاف الأساس في المفاوضات يتمحور حول المرحلة الانتقالية، فالطرفان يختلفان حول طبيعتها وشكلها وحدودها، فالنظام يرفض المساس بقضية رئاسة بشار الأسد؛ فيما تطالب المعارضة بمرحلة انتقالية لا يكون فيها الأسد، تضاف إلى ذلك قضايا أخرى، أهمها الدستور القادم لسورية وشكل الدولة وغيرها؛ وتتجه الأنظار بعد فشل جنيف الثامن إلى موسكو ومؤتمر سوتشي. 
في الشكل والمضمون، يبدو أن مسار جنيف ومسار سوتشي يسيران بشكل متواز، ما يجعل فكرة التقائهما مستبعدة، وهذا يدعو إلى استبعاد إمكانية الحل أو استعجاله،  والسبب بات واضحاً، أن كل طرف يجد مصلحته في تغليب المسار الذي يرعى مصالحه، والذي يتطلب إفشال المسار الآخر أو تقويضه، وتحاول موسكو من موقع الأقوى مؤقتاً في المعادلة السورية فرض شروطها على مسار جنيف؛ لكي تصبح بنوده تتطابق مع أهدافها الطويلة الأمد في سورية.  
مصالح المحور الروسي، الذي يسعى من خلال مؤتمر سوتشي إلى فرض رؤيته للحل، المبنية على التمسك بإجراء إصلاح للدستور فقط، وتشكيل حكومة مصالحة وطنية تحت سقف النظام، لذلك يجد النظام وداعموه أن خيار سوتشي هو المخرج الوحيد للالتفاف على مقررات الشرعية الدولية، وذلك من خلال ربط سوتشي بالقمة الثلاثية التي جمعت الرؤساء بوتين وروحاني وأردوغان.
في المقابل، ترى منصات دولية وغربية، أن مسار سوتشي هو مسار روسي إيراني أضيفت له تركيا نتيجة سوء علاقتها مع واشنطن والدول الأوروبية.  
وفي الحسبة أيضاً، موقف النظام السوري الذي لا يريد مفاوضات جنيف، ولا يرى نفسه بعد ما تحقق ميدانياً، مضطر ومحشور في عنق الزجاجة، ليقدم تنازلات دراماتيكية تتعلق ببنيته وطبيعته وهويته، والقبول بانتخابات برلمانية ورئاسية تشرف عليها الأمم المتحدة ويشارك بها السوريون في دول اللجوء، وتبني دستور يقوم بتقليص صلاحيات الرئيس وتوزيعها على الحكومة والمجالس المحلية؟ وتحديد ولاية الرئيس. ولا أحد يريد مؤتمر سوتشي بأي مخرجات تغير من طبيعة النظام، أو تلوح بالتعرض لشعار «الأسد إلى الأبد»، وهو يراهن ومعه إيران على الحسم العسكري. 

التعليقات..
لا يوجد تعليقات
شارك برأيك..
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
ادخل الرمز الامني*
لنا كلمة
لا أخفي سرا بالقول انني اختلف مع حركة حماس منذ التأسيس، اختلفت مع ارتباطها الإخواني، وترسيم الصراع ضد الاحتلال الصهيوني على قاعدة دينية (لست مع تديين السياسة)، ولاحقاً اختلفت مع حماس "نظام الحكم" الذي اختار محاور ينتمي إليها، محاور تستغل القضية الفلسطينية لتمرير سياسات تُبعد فلسطين عن مرمى التحرير أجيالاً وأزماناً.
08/06/2017 [ 18:28 ]
منوعات
طوكيو-نوى: في ظاهرة لفتت انتباه اليابانيين، سعى مجموعة من الفنانين إلى تحويل أغطية فتحات التصريف للوحات فنية تجذب اهتمام المارة والمشاة، فيما لقيت هذه الالتفاتة الإبداعية صدى في وسائل التواصل الاجتماعي.
17/01/2018 [ 14:35 ]
القائمة البريدية
الاسم
البريد الالكتروني