|
|
19/11/2017     09:47
قراءة الموج لإبنة البحر.. وجع الغياب تحت سطح المخيم
12/11/2017 [ 10:34 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: ناصر عطالله

هداية شمعون للمرة الثانية تستفزني و اللغة، لتسحبها من سريري المنسي، الى ذاكرة متجولة، بين الصورة المبتورة، والحكاية الطائرة، لا استقرار في حرفها، ولا قرار لوجعها، عميق سفرها المؤلم في ثقب ثوب، لعروس، يرتديها البياض، ولا يعفيها من حسرة غياب الأب، وتسليم الروح، لسحابات سابحة، فالحرب حمّالة قسوة، حتى في فرح تأجل مراراً، وتأخرت عربته في طريق الحياة، ليبقى الماضي الكائن في الحاضر المصلوب، فاجعة عريس أراده فرحاً فتحول الى جنازة.

ابنة البحر لهداية شمعون مجموعة قصصية، صادرة عن مكتبة سمير منصور، في مدينة غزة، عام 2017، والكاتبة هي نفسها صاحبة تاج" الحرب.. لي، الحب.. لك" الصادرة في عام 2015 عن دار ابن رشد في القاهرة، وبين التجربتين، كلام يقال عن ثابت واحد، ومتغيرات عديدة، فالبحر واسع ولكنه هنا شاهد وأب، والكاتبة ابنة بضفيرة وحلوى ديك وذاكرة تمشط رمال الموج، وتغسل الشاطيء من اللون الأحمر، بينما زقاق المخيم ينتظر قدمييها العاريتين لنشوة ترمي في جوانبه الحياة من جديد ، أفراحها ناقصة وثقوب الوجع كثيرة، صنعها الغياب، طرزتها بإبرةدون عروة واحدة، في خمسة عشرة قصة، خيطها الأول ثقب، وأخرها صباح يغني ولكن ليس طرباً.

ابنة البحر غربة في مجهول، وبقاء في ماضي، تستحضره لبراءة سيطرت عليها، و لإنزياح اضطراري بفعل العمر وعجلة القدر، إلا أنها دخلت حكمت الألوان لتنتصر للأسود، وتذهب به الى شاش فستانها ولو كان البياض غالباً فيه، فالمجهول عند ابنة البحر احتمالات، أولها الموت، ومنها الحياة على موت باهت، وخلفية داكنة من بعد عشق جربته قراءة ولم تجربه واقعاً، صورة متنقلة في أزمنة مختلفة، لأمل واحد هو الحياة خارج الألوان الزائفة، فالطريق طويلٌ والحائط متسخ، والأسفلت المدفون كميت يئن من ارتباك الحرب، فالطريق الذي تحول الى خشبة مائلة، والحائط الى صليب، لخلق من الناس يهيجون فوقه وبالقرب من الواهن، تراهم يعيشون صراعاً محتوم بالفناء، حتى يد الحبيب التي تعجلت الحضور، ولم تنتظر نضوج الثمرة، غسلت هموم الحياة، وردة أولى، ونامت عشرين سنة بالإهمال والرتابة، كدلالة من الكاتبة على مخاطر الزواج المبكر.

ابنة البحر، ساحة وافرة لا ظلال فيها فصحن الدار للذاكرة، والوجع ساكن مقيم، فالصبي لأم مكلومة، نشيدها الخالد، ووصفة الدواء الناجعة لأمراضها، ومن يفقد الدواء يعانقه الفناء، فقدت وليدها، لتحملها إغماءة الصدمة الى اللاشيء في هناك، وحده صحن الدار يرفعها للوعةتحضرها من أجل وجع طويل، فالطريق مرة ثانية يبقى قريباً من خرساء، يتطارق على رأسها الاصحاء، ويدفعونها لشبع الضرب، دون رحمة، فتجد روح جدتها الراحلة منذ سنوات حبل نجاتها للخلاص، فالموت لأصحاب الاحتياجات الخاصة في بعض الأحيان يكون خلاصاً في ذهن الكاتبة، التي بررت موت الخرساء بالضرب من اصحاء جسد، ومشوهي وعي وثقافة.

في ابنة البحر، الأموات يضحكون، ولكنهم يبكون بعد كل ضحكة، يخرجون من قبورهم، يتفقدون شوارعهم وذكرياتهم، وأولادهم الميتون في الحياة، ويعودون أكثر ألماً، ولكن أسيرة تعلقها العتمة على جدارن السجن، بتهمة عشق الوطن، والتفاني من أجله، تغزل لحناً خيطه مقاومة، وغرزته تحدي، تفتح النار على الظلام، وترسم حرية أوسع تحت الشمس، رغم منجل تورط بيد المحتل، فجعل من رأسها حقل حدب لا شعر فيه، ضحت أمام مرآتها، وبكت انوثتها بخفة فراشة، لا بساتين لغيرها اليوم وهي تطير شعرها في جهات الدنيا الست.

ابنة البحر تحولت الى كاميرة رصد، فهنا زوجة شهيد تتلوى ألماً على الفراق، وتعيش مع طفليها، بعطر معتق دسته أصابع الشهيد في حنايا روحها، لا تغادر مطارحه على صهوة التنكر له، بل فرت من ضغوط جامحة أرادتها زوجة لشقيق زوجها الشهيد، واحدة من القضايا المعاشة في مجتمع تكثر فيه الويلات، وتصبح الزوجة، زوجة لشقيقين بعد فراق أحدهما، لتفتح الكاتبة عدستها على جنازة طفل قضى بقصف عشوائي لمنزلهم، في المخيم الذي يطير الأسبست فيه كما تطير ريشة عفها جناح طائر، ذات الصورة تتكرر لتفتح غرفاً للبكاء والحزن في الصدور، كما ضياء الوليد المولود منذ أشهر، يبحث عن أمه الشهيدة، بفعل الجريمة عينها، الجريمة التي تتحول الى أرض واسعة لإسئلة بدون حصاد.

ابنة البحر حاولت أن تكشف سر أسرار الحب إذا سقط ضحية بين اصابع الجليد، إلحاح العاشق على كفأته لمعشوقته، يغير مجرى المجموعة القصصية بكاملها، من موت متواصل وقصف ووداع، الى حالة انسانية أخرى، فيها مرارة عذابها عذوبة، في تدافع شعوري دافيء، ولكن الكاتبة تسلط عدستها على قضية اعتاد عليها أهل البحر أصحاب الصيد، في عجلة بحثها عن الهموم كتبت عن إعتقال الصيادين، وبرودة البحر، وشوكة الريح في الخاصرة، حتى تصل الى وجع يحمله صاروخ لتنبت مجزرة جديدة، وجنازة أب وأولاده الصغار، تكرار مشهدٍ في زمان يتحرك على كرسي معطوب، في مكان أخر.

ابنة البحر هي نفسها ابنة المخيم والزقاق والريح والبكاء والموت والغياب والجرح والفرح المكسور يده، والحب المتعجل، والسجن المبكر، والأسئلة السائلة كماء على زجاج القلق الدائم.

هي ابنة البحر المسكونة في غناء مكتوم، وهذيان مولود في تسع وستين صفحة من القطع المتوسط، تتبدل الأسماء، ويبقى الوجع نفسه.

هداية شمعون، ناشطة مجتمعية ومناضلة جسورة عن المرأة، وصحفية مقتدرة في كتابة التقارير الهادفة، بإلاضافة الى ابداعها الأدبي كقاصة، فلسطينية زودت مكتبتنا بخمس أعمال أدبية حتى اليوم وهي عطر الجراح وعلى باب الصمت، وأنامل الروح تسبقني، والحرب..ليوالحب..لك، وابنة البحر" في سفر فوائده تعطي وشجرته تثمر.

 

 

 

التعليقات..
لا يوجد تعليقات
شارك برأيك..
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
ادخل الرمز الامني*
لنا كلمة
لا أخفي سرا بالقول انني اختلف مع حركة حماس منذ التأسيس، اختلفت مع ارتباطها الإخواني، وترسيم الصراع ضد الاحتلال الصهيوني على قاعدة دينية (لست مع تديين السياسة)، ولاحقاً اختلفت مع حماس "نظام الحكم" الذي اختار محاور ينتمي إليها، محاور تستغل القضية الفلسطينية لتمرير سياسات تُبعد فلسطين عن مرمى التحرير أجيالاً وأزماناً.
08/06/2017 [ 18:28 ]
منوعات
بكين:أعلنت الصين اليوم الثلاثاء إنزال أول سفينة كهربائية بالكامل في العالم إلى المياه في قاعدة لتصنيع السفن في مدينة قوانغتشو، بحمولة ألفي طن. وبنيت السفينة من قبل شركة قوانغتشو الدولية لبناء السفن، ويبلغ طولها 70.5 متر، وعرضها 13.9 متر، وعمقها 4.5 متر، وتعمل بطاقم من ستة أشخاص.
15/11/2017 [ 11:15 ]
القائمة البريدية
الاسم
البريد الالكتروني